(قال الكرماني
[1] : فإن قُلت ما وجهُ ذِكر هذه الأمور الثلاثة؟ قلت
: هذا الكلام من جوامع الكلم؛ لأنها هي الأصول؛ إذ الثالث منها إشارة إلى القولية، والأولان إلى الفعلية، الأول منهما إلى التخلية عن الرذائل، والثاني إلى التحلية بالفضائل، يعني: من كان له صفةُ التعظيم لأمر الله لا بدَّ له مِنْ أن يتَّصِفَ بالشفقةِ على خلقِ الله - عز وجل - إما قولًا بالخير أو سكوتًا عن الشر،، أو تركًا [2] . ولنبدأ في التعريف بهذه الأمور الثلاثة التي لابدَّ وأن يَتربى المسلم عليها، والمدرسة لها دورٌ في تَحقيقها لدى النشء: الأمر الأول: (التخلية) : وهو أن يَتخلَّى الإنسان عن مساوئ الأخلاق، وسيء العادات. فدورُ المدرسةِ يتمركز في أن تُساعد الطالب على أن يَتخلَّى عن الأخلاق، أو عن طريق المواقف والأحداث التي تَحدث من كل طالب. وهذه التخلية لا بدَّ أن تكون لأمرين: أولهما: ما نهى الله - جل جلاله - عنه، كالمحرمات سواءٌ أكانت كبائر أم صغائر. ويَنبغي أن يتنبَّهَ المربي على أن الخطأ قد جَبَلَ الله الخلق عليه، فلا يُعنِّف ولا يزجر بل يُصحِّح؛
ما دام أنه في الأخلاق، فلكلِّ مَجلسٍ ما يُناسبه، ولكلِّ مقامٍ مقال، والخطأ يُقدَّرُ بقدرِهِ.: ما يتعلق بالعوائد السيئة، كحواره مع معلميه وزملائه برفع، أو أن يتمايل في وقفته وكلامه مع الآخرين، أو جِلسته التي يَجلسها. فيجتهد حينها المعلم المربي في إيْجاد حلولٍ
عاجلةٍ وآجلة بحسب
خطورة الموقف من عدمها، فشأنُ الكبائر ليس كشأنِ الصغائر، وشأنهما ليس كشأنِ سيئ العادات والتقاليد؛ كلٌّ بحسبهِ. وقد أوجدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلولًا عاجلةً، فربَّى بها مَن ربَّى وعالَجَ من عالج. فمن الحلول
العاجلة: ما جاء عن أبي: إنَّ فَتًى شَابًّا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يُغْنِ رَسُولَ اللَّهِ:، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عليه فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ! فقال: أدنه، فَدَنَا منه قَرِيبًا، قال فَجَلَسَ، قال: أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ قال
: لاَ والله
جعلني الله فداءك، قال: وَلاَ الناس: أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟ قال: لاَ والله يا رَسُولَ اللَّهِ جعلني الله فداءك، قال:، قال: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟ قال لاَ والله جعلني الله فداءك، قال: وَلاَ الناس يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ، قال: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قال: لاَ والله جعلني الله
فداءك، قال: وَلاَ الناس يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قال: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قال:
لاَ والله جعلني الله فداءك، قال: وَلاَ، قال: فَوَضَعَ يَدَهُ عليه وقال: (( اللهم اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ،، فلم يَكُنْ بَعْدُ ذلك الْفَتَى يَلْتَفِتُ إلى شيء. [3] ومن الحلول الآجلة التي استخدمها النبي - صلى الله عليه: قصة الغامدية - رضي الله عنه - ـا التي زنت وأرادت من الذنب، حيث كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعرضُ عن تنفيذ الحكم فيها سِتْرًا - صلى الله عليه وسلم - بصدق توبتها وتفطُّرِ قلبها، ثمَّ بعد ذلك نَفَّذ الحكم فيها بعد أن، فكان ذلك - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك قال عنها: «فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ» [4] ، فأيُّ عزَّة هي تلك التي كانت عليها!! ومن: حادثة الثلاثة الذين خُلِّفوا في غزوة تبوك؛ حيث عالجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - تخلُّفهم عنه في تلك الغزوة بالمقاطعة لهم، ومن ثَمَّ العزلة والانفراد والابتعاد عن نسائهم؛ لكي يَشعروا بعِظم جُرمِ التخلفِ عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد والقتال في سبيل الله - جل جلاله -. وكَم جرَّت هذه المحنة التي حصلت للثلاثة - رضي الله عنهم - من الخيرات والبركات حتى ذكر الله قصَّتهم في القرآن، وبخاصة كعب بن مالك - رضي الله عنه - الذي كان أصغر الثلاثة،
وأكثر حيوية
وشبابًا. وحقًّا كما قيلَ: وراء كلِّ مِحنةٍ مِنحةٌ [5] ، فنزلت
توبة الله عليهم في القرآن، وفرحوا بها أشدَّ من فرحهم بأموالهم - رضي الله عنهم -. كما أنَّ الْمُعلِّم لابدَّ أن يتصف بصفة الحكمة، لكي في نصابها، ويَعرف متى يَستخدم الترغيب ومتى يَستخدم الترهيب وما هو مَنْ لِحال يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ للمعلِّم إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ خلق (10) من قريبٍ أو بعيد، وذلك: الأسلوب الأول: إلقاء الكلمات الوعظية
خلال الحصَّة الدراسية
عن بعض الأخلاق المذمومة كالكذب مثلًا، أو من خلال المنهج، فيشرح ما هو الكذب، ومظاهره وأسبابه وآثاره، وأنَّ الكذب مذلَّة تبقى في، ثم يَذكر كيفية الوقاية
من هذا الخلق وطرق العلاج لِمن وقع فيه، وبدوره سوف يفهم الطالب فضل الصدق لأنه ضد الكذب.
(1) : هو مُحمد بن يوسف بن على بن سعيد، شمس الدين، أصله من كرمان، فقيه، وأصولي، ومُحدِّث، ومفسر، قال ابن حجي: تصدى لنشر العلم
ببغداد ثلاثين سنة، وأقام مدَّة بمكة، توفي راجعًا
من الحج في المحرَّم (768 هـ) ، ومن تصانيفه: (( الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري ) )، و (( ضمائر القرآن ) ). انظر (( الأعلام ) ): (7/ 153) بتصرف. و(كرمان
): هي إحدى محافظات إيران الثلاثين، وتقع في الجنوب الشرقي منها. انظر (( الأطلس الجغرافي الحديث ) ): (83) .
(3) (1 في(( مسنده (36(22211) ، وصحَّح إسناده شعيب الأرنؤوط (36/ 545) ، والألباني في (( السلسلة الصحيحة ) ): (1/ 713) ، برقم ... (370) .
(4) : رواه مسلمٌ في (( صحيحه ) ): (3/ 1067 - 1069) ، برقم (1695، 1696) ، في كتاب: (الحدود) ، باب من اعترف على نفسه بالزنا.
(5) : (( أدب الدنيا والدين ) )للماوردي، (254) .