الوسيلة الثالثة: (طاعة الله تبارك وتعالى، والأُنْسِ به) إنَّ الأنس بالله تعالى من أعلى المراتب المراد تَحقيقها لِمن أراد القرب من الله - سبحانه لِلَّهِ
، وهو إنَّما يَنبعثُ عن المحبة التي تُخالط دَم الْمُحبِّ ولَحمه، فإذا التهبت أحشاؤه بمحبة، ووصل في مَحبته إلى أنه لا يستطيع أن يَسْلُو طرفة عين عن تَذكُّرِه والتفكر فيه؛ فعندها يُصبح أُنسُهُ هو ذكر مَحبوبهِ وهو الله
-سبحانه وتعالى -، فلا راحة له من اللحظات التي يَستأنسُ فيها بحبيبه والاشتغال
به عن كل شيء. قال ابن القيِّم:
(ومقام الأنس جامعٌ لِمقام الحبِّ مع القربِ، فلو
كان الْمُحبُّ بعيدًا من مَحبوبة لَم يَأنس به، ولو كان قريبًا من رجل ولَم يُحبَّه لَم يَأنس به حتى يَجتمع له حُبّه مع القربِ منه) [1] . فلهذا تَرى قلب من التعلق بغيره - سبحانه وتعالى -، ويهرب من الانشغال بسواه؛ لأنَّ حبيبه الذي يَأنس به أغَناه عن كل ما سواه، ومِن ثمَّ يَتحقَّقُ لأهل الأنس بالله تعالى من العزَّة والكرامة العظيمة الشيء الكثير؛ لأنهم استغنوا، ولم يتعلقوا بهم، ولم يلتفتوا إليهم، ومن استغنى عن الخلق.
وعليه: فإنَّ المؤمن الذي يأنس بالله تعالى وطاعته تستوي عنده كل الأمور، فالمنع والعطاء لا فرق بينهما عنده، والعافية والبلاء على حَدٍّ سواء لديه ما دام أنه مع مَحبوبه؛ بل يرى أن البلاء الذي هو أعظم من كل بلاء أن ينقطع عن حبيبه ويذهب عنه الذي كان يَجده. فمن حقَّق هذه المعنى وهو الأنس بالله الذي هو ثمرة مَحبته تعالى؛ فإنه يَشعرُ بعزَّة عظيمة، ويُحقِّق أسمى معاني العزَّة التي يَسعى الناس
(1) : (( مدارج السالكين