وأمَّا المثال الثاني، والذي يُستدلُّ به على وجود أصل العزَّة فيهم: ما قاله أبو جهل لابن مسعود - رضي الله عنه - في غزوة بدرٍ: (لقد ارتقيتَ مُرتقًى صعبًا يا رُوَيْعِيَ الغَنَم!) [1] .
فلعله لُوحظ من خلال كلام أبي جهلٍ: أنه كان على مشارف الموت والنزع الأخير، ثم يقول مثل هذه الكلمات التي تُنبئ عن عزَّة نفسهِ، بغَضِّ النظر عن التساؤل المطروح: هل هذه العزَّة محمودة أم مذمومة، أوهي عزَّة أم تَعزُّزٌ؟!.
فلم يَخفض رأسه بل رفعه، ولَم يطلب المساعدة أو الشفقة عليه؛ إنَّما ذكَّرَهُ بتلك الأيام الخوالي في مكة عندما كان يرعى الغنم، وكأنه يُومئ إليه بأنك كنت ذليلا وأنا العزيز _ فيما يراه أبو جهلٍ _.
قال عنترة بن شداد [2] :
فلا تَرْضَ بمَنْقصةٍ وذلٍّ ... وتَقْنَعْ بالقَلِيْلِ مِنَ الحُطَامِ
فَعَيْشُكَ تَحْتَ ظِلِّ العَزِّ يوْمًا ... ولا تَحْتَ المَذَلَّة ِ ألْفَ عَامِ [3]
وهناك أضدادٌ أخرى للعزِّ؛ لكنها تندرج إمَّا تحت الذلِّ أو الكبر، كالضعف والجبن والخور ...
(1) : انظر القصة مروية عن ابن إسحاق في: (( السيرة النبوية ) )لابن هشام، (2/ 278) ، وانظر: (( الرحيق المختوم ) ): لصفي الرحمن المباركفوري، (221) .
(2) : هو عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية ابن قراد العَبْسِي: أشهر فرسان العرب في الجاهلية، ومن شعراء الطبقة الأولى، من أهل نجد، أمه حبشية اسمها زبيبة، سرى إليه السواد منها، وكان من أحسن العرب شيمة، ومن أعزهم نفسا، يوصف بالحلم على شدة بطشه، وفي شعره رقة وعذوبة. وكان مُغرما بابنة عمه: عبلة؛ فقلَّ أن تَخلو له قصيدة من ذكرها، قتله الأسد الرهيص أو جبار ابن عمرو الطائي سنة (22 قبل الهجرة) . (( الأعلام ) ): (5/ 91) بتصرف.
(3) : لم أجده في (( ديوان عنترة بن شدَّاد ) ).