فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 327

الاستذلال على مرِّ التاريخ، وعلى ذلك يكون جِنْس العرب أعزَّاء لأنهم عاشوا في وسط جزيرة العرب.

ولذلك أرسل الله - عز وجل - سيدنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في جزيرة العرب لكي يُنزل دعوته في بيئةٍ خصبةٍ مزروعةٍ بالعزِّ، فإذا سُقيت بماء العزِّ الحقيقي أينعت وترعرعت تلك النفوس، فمنهجُ العزَّة الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وافقَ نفوسًا عزيزةً، والتاريخ خيْر شاهدٍ على ذلك، ويُذكر منه _ على سبيل المثال _ خَبَرين كلاهما في غزوة بدرٍ الكبرى:

فمن أمثلة تربيته - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه - رضي الله عنهم - على العزَّة: ما فعله سَوَاد بن غزِّية _ حليف بني النجار _ عندما وَغَزَهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بطنه بالقضيب، وقال: ... (( استقم يا سواد ) )، وكان سواد بارزًا خارج الصفِّ، فقال: يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحقِّ والعدل؛ فأقِدْنِي، فكشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بطنه راضيًا، وقال: (( استقد يا سواد ) )فاعتنقه سَواد، وقبَّل بطنه! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( وما حملك على هذا يا سواد؟ ) )، قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يَمسَّ جلدي جلدك، فدعا له الرسول بخير [1] .

فما أروعه من مَشهد! وما أروعَ تلك التربية! أمَّا المشهد: فَيُستنبط منه مقدار روح العزَّة التي كان يتمتع بها صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - الكرام - رضي الله عنهم -؛ حيث إنه تَجرَّأ وطلب من قائده إقامة العدل، والاستقادة منه.

وأمَّا عن تربيته - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه على العزَّة فظاهرةٌ جليَّة؛ وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - لَم يكن مِن خُلقِه أن يُكَمِّمَ الأفواهَ، وأن يَجعل بينه وبين أصحابه وأتباعه حواجز معنوية ولا حسيَّة؛ بل يَسمع منهم كلامهم - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَجعل في نفوسهم الخوف والمذلَّة؛ بل يَجعل في نفوسهم العزَّة مع احترامهم له - رضي الله عنهم -.

(1) : انظر كتاب: (( تاريخ الأمم والملوك ) )لمحمد بن جرير الطبري، (2/ 446، 447) ، وصححه الألباني في (( السلسلة الصحيحة ) ): (6/ 808) ، وللاستزادة من القصة انظر كتاب: (( السيْرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ) )لمحمد محمد أبو شهبة، (2/ 139) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت