والحقيقة أنَّ توهُّم الكمال إنَّما يَحصل بسبب (ضعف النفس) ؛ لذلك أمر الإسلام بالتواضع في القول والعمل، فقال الله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (( (( } [1] .
وذلك أنَّ القول الحسن فيه قهرٌ للنفس في مَجال كِبْرِهَا، وقال - صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ» [2] ، فكثرةُ إلقاءِ السلام على القريب والبعيد تدلُّ على خلوِّ القلبِ من الكِبْرِ والعُجب اللذين يَمنعان صاحبهما من المكارم الأخروية.
وكذلك في مَجالِ العمل فقد أوصى الحبيب محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - بأنْ يُشارك المرء غيره في طعامه؛ سواءٌ أكان الطعام مصنوعًا خصِّيصًا للضيف والجار، أو مِن طعام أهل البيت؛ لأن الإطعام عملٌ جليلٌ يدلُّ على وجود المحبة والرحَمة بالمؤمنين في قلب صاحبه، وعدم الترفع عليهم.
كما أنَّ فيهِ سَدٌّ لعَوَزِ المحتاج والفقير، وإدخال السرور عليه وعلى أهل بيته ولو كانوا أغنياء.
ثمَّ وجَّهَ في ثالث الخِصال _ التي من شأنها أن تُدخِل صاحبها الجنَّة بعد فضل الله - عز وجل - إلى الاهتمام بأحوال هذا القلب، وما يَعْتَرِيْهِ من عواملَ وأمور تُفسده أو تُعِيْقُه نَحو الْمَسِيْرِ إلى الله - جل جلاله - والدار الآخرة، فأمرَ أمْرَ النَدْب: بالصلاة في الليل والناس في مراقدهم؛ مرشدًا لهم بذلك إلى مراقبة الله والخوف منه، دالاًّ لهم بالابتعاد عن العُجب بالعمل الذي يُورث الترفع والتكبر على الآخرين؛ كلُّ ذلك كانَ بإشارةٍ منه - صلى الله عليه وسلم - حينما قال: (( والناس
(1) : [البقرة: 83] .
(2) : أخرجه الترمذي في (( سننه ) ): (4/ 286) ، في كتاب: (الأطعمة) ، باب: ما جاء في فضل إطعام الطعام، برقم: (1859) وقال: حديث حسن صحيح، والدارمي في (( سننه ) )واللفظ له (1/ 405) برقم (1460) في كتاب: (الصلاة) ، باب فضل صلاة الليل، وابن ماجة في (( سننه ) ): (2/ 127) ، برقم (1334) في كتاب (إقامة الصلاة والسنة) ، باب: ما جاء في قيام الليل، والحاكم في (( مستدركه ) )في كتاب (الهجرة) برقم: (4342) ، و قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه. (3/ 14) ، وصححه الألباني في (( إرواء الغليل ) ): (3/ 239) .