عظيم'' [1] ،ولقد ظلموا أنفسهم بسببها بأن عرَّضوها للعذاب الخالد، وظلموا النّاس بصدهم عن الإيمان بها. وكان كفرهم عنادا لا عن قصور في الدليل، لقوله تعالى:''وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين'' [2] ،أي الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، كيف كان آخر أمرهم، ووضع المفسدين موضع ضميرهم للإيذان بأن الظلم مسلتزم للإفساد [3] .
وكما كان الملأ مع فرعون مشتركين في الظلم الذي لازمه الفساد والإفساد، فهم أيضا مع فرعون في رفض الحق والامتناع عن قبوله، كما أنّهم في الإجرام سواء، يقول تعالى:''ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين، فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إنّ هذا لسحر مبين، قال موسى أتقولون للحق لمّا جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون'' [4] .والمعنى أنّهم استكبروا عن اتباع الحق والإنقياد له فامتنعوا عن قبوله، وكانوا قوما مجرمين معتادين الإجرام، ذوي آثام عظيمة كبيرة، فلذلك تهاونوا برسالة ربهم واجترأوا على ردّها، لأنّ الذنوب تحول بين صاحبها وبين إدراك الحق وإبصار الصواب؛ فلمّا جاءهم الحق من عند الله وعرفوه بتظاهر المعجزات الباهرة المزيلة للشك، قالوا من فرط تمردهم: إنّ هذا لسحر مبين، ظاهر أنّه سحر أو فائق في فنّه واضح فيما بين إخوته، كأنّهم قبحهم الله أقسموا على ذلك وهم يعلمون أنّ ما قالوه كذب وبهتان [5] .
إنّ الملأ يتنفسون المنصب والجاه والسلطة ولا يرون للأتباع أي حق ولوكان مجرد الإستماع لهم والتفكير-ولو لحظة-فيما يقولون؛ ذلك لأنّهم من المستكبرين العالين كما بيّن القرآن الكريم، يقول تعالى:''ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين'' [6] .والمعنى أنّهم استكبروا على الإيمان والمتابعة، أى طلبوا الكبر وتكلفوه فلم ينقادوا للحق، وكانوا قوما عالين مترفعين من عادتهم الاستكبار والتمرد، متكبرين على أهل ناحيتهم ومن في بلادهم من بني إسرائيل وغيرهم بالظلم قاهرين لهم [7] .إنّ تنفس الملأ للجاه والمنصب جعلهم يُواجهون موسى عليه السلام بالسخرية والاستهزاء، وسولت لهم أنفسهم-المُصابة بمرض الإنتفاش-الاستخفاف بآيات الله. يقول تعالى:''ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إنّي رسول
(1) [لقمان:13] .
(2) [النمل:14] .
(3) انظر: تفسير النسفي (2/ 28) وتفسير البغوي (2/ 185) وتفسير ابي السعود (3/ 257) وتفسير الطبري (9/ 13) ومعاني القرآن (3/ 60) .
(4) [يونس:75 - 77] .
(5) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 427) وتفسير البيضاوي (3/ 210) وفتح القدير (2/ 464) وتفسير النسفي (2/ 137) .
(6) [المؤمنون:45 - 46] .
(7) انظر: تفسير الواحدي (2/ 747) وتفسير البغوي (3/ 310) وفتح القدير (3/ 485) وزاد المسير (5/ 475) وتفسير النسفي (3/ 123) .