إنّ الطريق إلى الرفعة واحدة لا ثانية لها، يقول تعالى:''من كان يريد العزة فلله العزة جميعا'' [1] ،أي من أراد الشرف والمنعة فليطلبها من عند الله فإنّ له كلها [2] ،ومحال علينا التحرر من نير الذل والاستعباد إلاّ بالرجوع إلى الله.
إنّ ما نراه من خنوع وخضوع من قبل قطاع كبير من النّاس ما هو إلاّ دليل على ضعف العزيمة والإيمان في قلوبهم، فرغم ما يعانونه من اضطهاد وقمع وأكل لحقوقهم .. رغم هذا تجدهم ساكتين لا يؤلمهم هذا الظلم والجور. وفي المقابل نجد كثيرا منهم متمردون على الله لا ينفذون أوامره ولا ينتهون عن نواهيه. فصار خوفهم من الطاغوت أشد مرات عدة من خوفهم من الله، والتزامهم بشرع الطاغوت أقوى من التزامهم بشرع الله!
في مثل وسط كهذا من الخانعين لن يتورع الطغاة عن تنفيذ مآربهم، بل وسيأتون بالمزيد من المأسي على شعوبهم، والسؤال من الذي يمنعهم؟ خنوع الجماهير أم خوفهم من الله؟!! أم أولئك الذين يُمرِّغون أنوفهم على عتبات السلطان؟
(المروءة كمال الرجوليّة) [3] ،وهي (قوة للنفس مبدأ لصدور الأفعال الجميلة منها المستتبعة للمدح شرعا وعقلا وعرفا، وقيل: أداة نفسانية يحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف ثَمَّ محاسن الأخلاق وجميل العادات) [4] ؛فالمروءة تحمل صاحبها على إغاثة المنكوبين ورفع الظلم عن المستضعفين. ولقد تمثّل كمال المروءة في شخص نبينا صلى الله عليه وسلم، وذلك بشهادة السيدة خديجة رضي الله عنها حين قالت له صلى الله عليه وسلم:''والله لا يخزيك الله أبدا. إنّك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق'' [5] ،فأين أصحاب المروءة في هذا الزمن الذي علت فيه صيحات الثكالى واليتامى من المسلمين؟ أين نحن من قوله تعالى:''وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنّساء والولدان'' [6] ، أي (ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء) [7] .
إنّ مجرد رؤية موسى عليه السلام لامرأتين تذودان حرّك في نفسه مشاعر النّجدة والنّخوة والرجولة، يقول تعالى:''ولما ورد ماء مدين وجد علية امة من الناس يسقون ووجد من دونهم
(1) [فاطر:10] .
(2) وانظر: تفسير البيضاوي (4/ 413) .
(3) لسان العرب، مادة: مرأ (1/ 155) .
(4) التعاريف (650 - 651) .
(5) الخصائص الكبرى (1/ 156) .وانظر: أعلام النبوة (1/ 311) والسيرة الحلبية (1/ 391) .
(6) [النساء:75] .
(7) زاد المسير (2/ 132) .وانظر: معاني القرآن (2/ 133) وتفسير الواحدي (1/ 275) .