تعالى:''وجاء السحرة فرعون، قالوا إنّ لنا لأجرا إن كنّا نحن الغالبين، قال نعم وإنّكم لمن المقربين'' [1] . (إنّهم محترفون .. يحترفون السحر كما يحترفون الكهانة! والأجر هو هدف الإحتراف في هذا وذاك! وخدمة السلطان الباطل والطاغوت الغالب هي وظيفة المحترفين من رجال الدين حين يفسدون! فيصبحون أداة طيّعة لتزييف الحقائق باسم أنّهم رجال دين، فيأولون النّصوص بما يخدم الطاغوت، ويبذلون جهدا لاهثا في التّمحل والتزييف) [2] .
وهكذا طواغيت العصر يستعينون بالمأجورين من علماء الدين، فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويحرّفونه من بعد مواضعه، فيغيّرون معانيه ليلائم سياسة الحكومة، ويحلون ما حرم الله، وهم بهذا يُزَوِّرُونَ الدّين، ويميّعون ما شرعه الله، ويسكتون-عمدا-عن مخازي الحكومة، بل ويستشهدون بأقوال الحاكم بأمر الشيطان كما لو كانت قرآنا! ثمّ تصبح دروسا يتعلمها التلاميذ في مدارسهم ومعاهدهم؛ فينتشر الجهل ويسود الظلام وتنعدم الرؤية الصحيحة لمعنى الحياة.
وهناك طائفة أُخرى تمَّ تسليطها على الأمة تلك هي طائفة المثقفين!! حيث فُتحت لهم كلّ الأبواب، ووضعت تحت أيديهم أجهزة الإعلام، فدورهم تخريب فكر الأمّة ومهاجمة الإسلام بدعوى التنوير والعصرنة، فإذا أراد أحد المراهقين بالفكر أن يشتهر فأقرب الطرق هي مهاجمة الإسلام! وتقوم الحكومة بإيوائه وتوفير الأمن له والترويج لأفكاره وسمومه. ويقوم الإعلام المُوجّه بالترويج لهذه الطائفة بأنّها أمل الأمة وسبيل الخلاص لكل المُشكلات التي تعاني منها. أمّا الحقيقة المرّة فليس هؤلاء سوى أبواق للحضارة الهابطة أو ما تُسمّى بحضارة العالم الحر! وليس دورهم ووظيفتهم سوى تجهيل الأمّة بدينها وتشكيكهم به كي يسهُل استسلام الأمة وانقيادها لمخططات الطواغيت، ثمّ ليتعايش النّاس مع الأوضاع القائمة، وذلك حين تسود الأفكار والتصورات التي تتعايش مع الطاغوت ولا تتمرد عليه؛ فالهدف الأخير لتلك الطائفة (هو اقتلاع العقيدة الإسلامية من قلوب المسلمين وصرفهم عن التمسك بالإسلام، أمّا وسائلهم فهي كثيرة ومتنوعة، أخطرها وأهمها السيطرة على مناهج التعليم ووسائل الإعلام) [3] .
إنّ إشغال الجماهير وسيلة لإبعادها عن إدراك واقعها المر، فتعيش حياتها لاهية غافلة لا هدف ولا قضية ولاغاية، فهي في لهو باطل لا خير فيه، حتى إذا جاءهم الحق استقبلوه بالهزء والسخرية (لتناهي غفلتهم، وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور والتفكر في العواقب) [4] ؛ذلك لأنّ
(1) [الأعراف: 113 - 114] .
(2) في ظلال القرآن (3/ 602) مع بعض التصرف.
(3) محمد قطب، واقعنا المعاصر، ط 1،مؤسسة المدينة للصحافة والطباعة والنشر، المملكة العربية السعودية،1407 هـ،1986 م.196،مع بعض التصرف، وسأشير إليه لاحقا هكذا (واقعنا المعاصر) .
(4) تفسير البيضاوي (4/ 82) .وانظر: تفسير أبي السعود (6/ 54) .