فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 259

الدنيا'' [1] . (ولم يكن أمرهم إياه بأن يقضي ما هو قاض على معنى التكذيب، ولا على الإباحة لأن يفعل بهم ما قد توعدهم، ولكنّهم أعلموه أنّهم قد استعدوا له بالصبر على ما حلّ بهم من عذابه ... فليفعل ما هو فاعل، فإنّهم يستقلون ذلك في جنب ما يتوقعونه من ثواب الله عز وجل، وما يرجون أن يصرفه الله عنهم من عذابه ثوابا على بذلهم أنفسهم) [2] ،والمعنى (إنما تقدر أن تعذبنا في هذه الحياة الدنيا التي تفنى) [3] .

إنّ الخوف من بطش الطواغيت أساس وسبب في نشوء الحركات السّريّة، فإذا ضاق ظاهر الأرض فما للمتمردين على الطاغوت سوى العمل تحت الأرض سرا. فها هو موسى عليه السلام يخرج مع قومه سرا تحت جنح الظلام كي لا يحس به فرعون وجنوده، يقول تعالى:''وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنّكم متبعون'' [4] ،حيث (أمر موسى عليه السلام بالخروج ليلا، وسير الليل في الغالب إنما يكون عن خوف) [5] ،ممّا جعل حركتهم سرّيّة.

إنّ العذاب الممارس من قبل الطواغيت متنوع ومتعدد، وليست السجون سوى لون من ألوان العذاب، فمن لم يردعه هذا اللون من العذاب يردعه لون آخر. ومن العجيب أن بعض الطواغيت يعدلون عن القتل والإعدام والشنق إلى السجن بعدما رأوا حب المؤمنين إلى الشهادة! وما قد تتركه حالات الإعدام في نفوس الجماهير من تقدير عظيم للشهداء، لأنّ التضحية بالنّفس أقصى ما يُقدّمه الإنسان في سبيل عقيدته وإيمانه، فهو بشهادته يحوز على إعجاب النّاس وتبقى كلماته وأهدافه التي مات عليها ومن أجلها حيّة في قلوب النّاس، فالشهادة حياة. من هنا كان السجن بدلا من الشنق والقتل ليست رأفة في القلوب السوداء، وإنّما هو إجراء آخر لإيقاع أشدّ العذاب على من خالفهم، ولتقليل الأضرار الناجمة عن أحكام الإعدام.

السجن وسيلة لا غنى للطواغيت عنها، فالحبس والقيد والوثاق أدوات الردّ التي يرفعونها أمام الحق وأتباعه، يحاولون بذلك عزله عن محيطه الإجتماعي الذي يُؤثر فيه للحد من خطر انخراطه بين النّاس، كما حاول كفّار مكة أن يُثبتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى:''وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك'' [6] .أي ليحبسوك [7] حتى يشلّون حركته.

(1) [طه:72] .

(2) المروزي: أبو عبد الله، محمد بن نصر بن الحجاج، (202 - 294 هـ) ،تعظيم قدر الصلاة، جزءان، تحقيق: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، ط 1،مكتبة الدار، المدينة المنورة،1406 م. (2/ 561) مع بعض التصرف، وسأشير إليه لاحقا هكذا (تعظيم قدر الصلاة) .

(3) تفسير الطبري (16/ 189) .وانظر: تفسير ابن كثير (3/ 160) .

(4) [الشعراء:52] .

(5) تفسير القرطبي (16/ 136) .

(6) [الأنفال:30] .

(7) التبيان في تفسير غريب القرآن (1/ 218) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت