فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 259

إنّ قوة فرعون الإقتصادية عكست نفسها في كلام مؤمن آل فرعون، وهو يحذر قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله بهم، وذلك في قوله لهم:''يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا'' [1] .أي (قد أنعم الله عليكم بهذا الملك، والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله) [2] .والشاهد في الآية أنّ مؤمن آل فرعون أخبر من خلال خطابه لقومه أنّهم في نعمة عظيمة وجاه عريض، وفي هذا دليل آخر على مدى الملك الذي حازه فرعون وقومه.

ومن الأدلة على قوة فرعون الإقتصادية، تلك الحليّ التي كانت في ملكية القبط، حيث أخذ بنو إسرائيل جزءا منها عند خروجهم من مصر، والتي كانت تمثل بعضا ممّا كان يملكه القبط من أموال. وذلك ما يُرشد إليه قوله تعالى:''واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار'' [3] .وقوله تعالى:''ولكنّا حمّلنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري، فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار'' [4] .أي ولكنّا حملنا أحمالا من حلى القبط التي أستعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر، وقيل استعاروا لعيد كان لهم ثمّ لم يردوها عند الخروج مخافة أن يعلموا بهم، وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم فأخذوه. وأيًّا ما كانت طريقة أخذها فالشاهد وجودها عند القبط، وهم أتباع وأعوان فرعون. ولعل بني إسرائيل سمّوها أوزارا لأنها آثام، فإنّ الغنائم لم تكن تحل بعد، أو لأنّهم كانوا مستأمنين، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، فقذفوها في النار فكذلك ألقى السامري، فأخرج لهم عجلا جسدا من تلك الحليّ المذابة [5] .

لم يكن عطاء الله لفرعون علامة رضى وقرب، بل هوابتلاء وامتحان من الله، يقول تعالى:''فلمّا نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون'' [6] ،أي (حتى إذا فرحوا وأُعجبوا بما أوتوا من النِّعم، ولا يزيدوا غير البطر والاشتغال بالنِّعم عن المُنْعِمِ والقيام بحقه سبحانه وتعالى أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون متحسرون آيسون) [7] ،ولهذا فُتحت الخيرات على فرعون وغمرته، ولكن إلى أجل، حتى إذا فرح بما لديه أخذه

(1) [غافر:29] .

(2) تفسير ابن كثير (4/ 79) .

(3) [الأعراف:148] .

(4) [طه:87 - 88] .

(5) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 66) وتفسير القرطبي (11/ 235) وتفسير أبي السعود (3/ 273) وتفسير النسفي (2/ 37) .

(6) [الأنعام:44] .

(7) تفسير البيضاوي (2/ 409) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت