فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 259

رب العالمين، فلمّا جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون، وما نريهم من آية إلاّ هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون'' [1] .أي (فلمّا جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون استهزاء وسخرية) [2] .وبيّن سبحانه أنّ العلة في أخذه لهم بالعذاب هو رجاء رجوعهم، ولكنّ الملأ لم يرجعوا عن غيّهم وضلالهم، فهم أموات غير أحياء، لأنّ الميت من مات قلبه والعياذ بالله.

والملأ من قوم فرعون كفرعون فاسقون، لأنّ من يصل إلى درجة ومرتبة الأشراف والسادة في نظام كنظام فرعون لا بدّ أن يكون فاسقا، ذلك أنّ غير الفاسق لا يستطيع الإنخراط في مثل حكومة كهذه، فلكلّ كائن حيّ وسط يعيش فيه، ثمّ إنّ الحكومة لا تقبل في هذا المنصب رجلا نظيفا لا يتصف بالفسق، فالفسق شرط وضرورة للتّرقّي في سلم الحكومة، ودلّ على ذلك قوله تعالى:''فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه، إنّهم كانوا قوما فاسقين'' [3] ، أي (من الرؤساء والكبراء، إنّهم كانوا قوما فاسقين، أي خارجين عن طاعة الله مخالفين لأمره ودينه) [4] ،فهم جديرون بسبب فسقهم أن يُبعث إليهم.

لقد اتبع الملأ أمر فرعون عن علم وبينة، بعد أن جاءهم موسى عليه السلام بالآيات والسلطان المبين، فلم يكن اتباعهم عن قلة علم ومعرفة، وفي هذا زيادة سوء وقبح منهم، ودليل على غيهم وفسادهم، فبدلا من اتباع موسى-الهادي إلى الحق المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة-اتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان، الدّاعي إلى ما لا يخفي فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم [5] .،يقول تعالى:''ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين، إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد'' [6] .أي (ولقد أرسلنا موسى بأدلتنا على توحيدنا وحجة تبين لمن عاينها وتأملها بقلب صحيح أنها تدل على توحيد الله وكذب كل من ادعى الربوبية دونه، وبطلان قول من أشرك معه في الألوهة غيره إلى فرعون وملئه) [7] أي أشراف قومه. فاتبعوا أمر فرعون، أي شأنه وحاله ومنهجه حتى اتخذوه إلها وخالفوا أمر الله تعالى، ولم يتبعوا موسى الهادي إلى الحق المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة، ولكنّهم اتبعوا أمر

(1) [الزخرف:46 - 48] .

(2) فتح القدير (4/ 558 - 559) وانظر: تفسير النسفي (4/ 116) وروح المعاني (25/ 87) .

(3) 495 [القصص:32] .

(4) تفسير ابن كثير (3/ 389) مع بعض التصرف. وانظر: تفسير الطبري (20/ 73) ومعاني القرآن (5/ 179) وتفسير الثعالبي (3/ 176) وفتح القدير (4/ 170) .

(5) انظر: تفسير ابن كثير (4/ 77) وتفسير البيضاوي (3/ 259) .

(6) [هود:96 - 99] .

(7) تفسير الطبري (12/ 109) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت