التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه) [1] ،إنّها العلة القديمة الجديدة، يَستُرونَها بأغطية متنوعة متعددة؛ مرة بدعوى المحافظة على أمن البلد .. ومرة بعدم السماح للمخربين من تحقيق مآربهم .. ومرة من أجل مستقبل مشرق بأيد أمينة! وكلّها أغطية تستر وراءها أطماع الملأ والحاشية المقربة.
من أجل مصالحهم شاركوا في تثبيت النظام، فهم جشعون نفعيّون وصوليون، ولهذا دعموا فرعون في موقفه من موسى والدعوة الجديدة، فهم ممتنعون عن قبول الحق رافضون له كما تقدم، ويعلنون اتِّباعهم لفرعون ومنهجه وطريقة حكمه. ثمّ بعد هذا يشاركون عمليا في تصريف شؤون الحكم والدولة، ويحافظون على النظام، حتى أنّ النّص القرآني-في أول إشارة منه إلى طبيعة مشاركتهم-لم يذكر معهم فرعون، فكأنّ ما قاموا به من مؤامرة على موسى يقع ضمن صلاحياتهم، أو أنّهم بادروا من تلقاء أنفسهم لحماية الحكومة للتدليل على مدى إخلاصهم لفرعون، وكان ذلك عندما وكز موسى عليه السلام القبطي دفاعا عن مظلوم من بني قومه فقضى عليه.
(لقد عرف الملأ من قوم فرعون، وهم رجال حاشيته وحكومته والمقربون إليه أنّها فعلة موسى. وما من شك أنّهم أحسوا فيها بشبح الخطر، فهي فعلة طابعها الثورة والتمرد، والإنتصار لبني إسرائيل؛ فهي ظاهرة خطيرة تستحق التآمر. ولو كانت جريمة قتل عادية ما استحقت أن يشتغل بها الملأ والكبراء) [2] .وفي هذا دليل على مدى حرصهم على نظام فرعون، وحزمهم في القضاء على أي نوع من التململ الذي ينذر بالتّمرد على النظام.
فها هم يديرون المؤامرة في الخفاء لقتل موسى، فالقتل جزء من المعالجة لأي تمرد قد يقع، كما أنّه وسيلة لإرهاب من تحدثه نفسه بالخروج على النّظام. ويتسرب الخبر إلى رجل يميل بقلبه إلى دعوة موسى، فينطلق إليه مخبرا. (ذُكر أن قول الإسرائيلي سمعه سامع فأفشاه وأعلم به أهل القتيل، فحينئذ طلب فرعون موسى وأمر بقتله، فلمّا أمر بقتله جاء موسى مخبر وخبره بما قد أمر به فرعون في أمره، وأشار عليه بالخروج من مصر بلد فرعون وقومه) [3] .وهذا ما يرشد إليه قوله تعالى:''وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إنّ الملأ يأتمرون [4] بك ليقتلوك فاخرج إنّي لك من النّاصحين'' [5] .أي (إنّ الملأ-وهم وجوه أهل دولة فرعون-يأتمرون بك أي
(1) تفسير الطبري (23/ 126) .
(2) في ظلال القرآن (6/ 335) .
(3) تفسير الطبري (20/ 50) .
(4) (تأمروا على الأمر وائتمروا تماروا وأجمعوا آراءهم) لسان العرب، مادة: أمر (4/ 29) .و (يأتمرون بك: يتآمرون في قتلك) التبيان في تفسير غريب القرآن (1/ 327) .
(5) [القصص:20] .