فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 259

تموتون ولا تزول عنكم، فلها فاعملوا وإياها فاطلبوا) [1] .فهو يذكرهم بحقيقة هذه الدّنيا التي تعلّقوا بها وامتلأت قلوبهم بحبها، فهي متاع زائل لا قيمة له، وأنّ الآخرة هي دار القرار. قال لهم ذلك لأنّهم تعلقوا بمتاع الدّنيا الزائل، فلولا هذه العلة التي يعاني منها القوم لما كان خطابه لهم بهذه الصيغة.

فاجتمع لفرعون أمران: قوم يحبون المال، وثروة بين يديه، حيث كان فرعون صاحب ثروة ومال، فاستغل قوته المالية والإقتصادية في تدعيم شخصيته وتمرير مخططاته.

وممّا ساعد فرعون في ازدياد سيطرته الإقتصادية ازدياد سيطرته العسكرية المتمثلة بالجيش (الجنود) والمخابرات والشرطة التي كانت تشرف على السجون، وغير ذلك ممّا يشكل في مجمله القوة العسكرية. فالقوة تلزم فرعون في حماية الممتلكات الواقعة في قبضته وفي عمليات السلب والنّهب لما تبقّى من أملاك وثروات لدى الجماهير إن بقي منها شيء.

ومن هنا نفهم الترابط الجدليّ بين القوّة الإقتصادية والقوة العسكرية، فالزيادة هنا تعني الزيادة هناك، والعكس صحيح تماما، وهي المعادلة الموجودة في كلّ مرة يحكم بها الطاغوت ويُقصى فيها الحكم بما أنزل الله، فالحكم حينئذ لحق القوة لا لقوة الحق.

وهكذا يعيد التاريخ نفسه، ونشاهد الأساطيل والقطع الحربية وهي تزحف بشتى المعاذير للسيطرة على منابع النّفط والطّاقة كونها عصب الحياة المعاصرة، في زمن سيطرت فيه الرأسمالية على مناحي الحياة، وما صاحب تلك السيطرة من تحطيم للمعاني الإنسانية؛ فانتشرت المذاهب النفعية والوصولية؛ ذلك أنّ السيطرة الاقتصادية للدول الغنية والقوية عسكريا، أو الدول الصناعية والشركات الكبرى توسعت حتى أصبحت تشمل كل العالم ضمن مفهوم العولمة الحديث، واستطاعت تلك الدول أن تفرض بقوتها العسكرية شكل المعاملات المالية الدولية؛ فالطاغوت الاقتصادي المعاصر هو الذي يتحكم في السوق ورأسمال ومصادر الثروة والتجارة العالمية.

وفي المقابل نشاهد شعوبا ودولا قد غرقت بالديون التي تقدر بالمليارات نتيجة لهذه الهيمنة الاقتصادية القائمة على النّظام الربوي؛ فانقسم العالم إلى فئة قليلة من الأغنياء وأغلبية من الفقراء، ودول غنية ترفل بالنّعيم وأخرى تأكلها الأزمات الاقتصادية، ممّا أسس لنمو النّظام الطبقي وما يتبع ذلك من أمراض اجتماعية ونفسية خطيرة تهدد الوجود الإنساني برمته. فالأمور تزداد سوءا مع طغيان المفهوم المادي النّفعي العلماني للحياة، فالذي يحكم العلاقات الدولية هي المصلحة النفعية المادية، ولم يعُد للقيم والأخلاق أي أثر في المعادلات الدولية.

(1) تفسير الطبري (24/ 67) .وانظر: تفسير البيضاوي (5/ 94) وتفسير القرطبي (15/ 317) وتفسير أبي السعود (7/ 277) وزاد المسير (7/ 224) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت