فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 259

الكثيرة [1] .ومن الشواهد التي تدل على متانة نظامه وتطوّره المادي تلك الأهرامات التي ما زالت ماثلة حتى يومنا هذا، وليس هذا غريبا؛ ذلك (أنّ للطبائع الملتوية أسلوبا تنجح به في ميادين شتى، فإذا تعلق الأمر بالعقائد والفضائل والمبادئ لم تصب من النجاح سهما، ذلك أنّ طريق أصحاب المثل غير طريق أصحاب المصالح، وسياسة الدعوات القائمة على الشرف والمرتبطة بالسماء غير سياسة التطلع والترصد) [2] ،وتلك هي سياسة فرعون المجردة من القيم والمثل والأخلاق.

لقد بيّن القرآن الكريم وسائل فرعون في تثبيت حكمه وبناء شخصيته، حيث تراوحت ما بين القهر والتعذيب تارة، والترغيب تارة أخرى. فَقِسْمٌ من النّاس تُخضعه العصا والآخر تُشترى ذممهم، وما بين العصا والجزرة كان التجهيل والتضليل والكذب. فتلك هي وسائل الطاغوت لا تخرج من وحل الرجس ومستنقع الرذيلة.

وبعد التدبر في الكتاب العزيز يمكننا أن نُجمل وسائله في المباحث التالية:

المبحث الأول

وسيلة التعذيب من قتل وسجن وإذلال

التعذيب بشتى صوره وسيلة فرعون الأكثر رواجا واستعمالا، فقد صبّ-لعنه الله-العذاب صبّا فوق رأس كل من خالف أمره أو رابه منه شيء، حتى عدَّه القرآن الكريم عذابا بذاته لشدة ممارسته للتعذيب، فإمّا أن تعتنق مذهب الطاغوت وإمّا الموت بأشكال وألوان مرعبة، يقول تعالى:''ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين، من فرعون [3] إنّه كان عاليا من المسرفين'' [4] .ويعني بالعذاب المهين ما كانت القبط تفعل ببني إسرائيل بأمر فرعون؛ من قتل الأبناء واستخدام النساء واستعبادهم إياهم وتكلفهم الأعمال الشاقة. والشاهد أنّ كلمة'فرعون'بدل من العذاب المهين، أي جعله-عليه

(1) انظر: تفسير القرطبي (15/ 154 - 155) وتفسير البيضاوي (5/ 38 - 39) ومعاني القرآن (6/ 85) وتفسير ابي السعود (7/ 217) وفتح القدير (4/ 423) وتفسير النسفي (4/ 34) .

(2) في موكب الدعوة (172) .

(3) (من فرعون: هو بدل من العذاب باعادة الجار أي من عذاب فرعون ويجوز أن يكون جعل فرعون نفسه عذابا) العكربي: أبو البقاء، محب الدين عبدالله بن أبي عبدالله الحسين بن أبي البقاء، (538 - 616 هـ) ، التبيان في إعراب القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوى، إحياء الكتب العربية. (2/ 229) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (التبيان في إعراب القرآن) .وجعل الطبري فرعون بدلا من العذاب، وهو ما اخترناه لأنّ فرعون موصوف بالإسراف والطغيان فناسبه هذا المعنى. وانظر: تفسير الطبري (25/ 126) .

(4) [الدخان:30 - 31] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت