فهرس الكتاب
في المغالبة والاهتمام بالمناصبة، فلا بدّ أن يكون الإنذار والتحذير بأشد المكاره وأشقها عليهم) [1] ،ألا وهو ذهاب تعظيمهم وأرزاقهم التي يكسبونها من وراء سحرهم. وفي هذا دلالة كبيرة على الإحترام الذي يتمتع به السحرة في وسط يعظّم السحر والسحرة.
لقد بيّن القرآن الكريم موقف السحرة قبل أن تحصل المعجزة الكبرى أمامهم بانتصار موسى عليه السلام وهزيمتهم، حيث كان همهم هو المادة ومتاع الدنيا، مما يدل على المستوى النفسي الذي كان يعيشه السحرة، وكذلك يدلُّ على أنّهم أداة من أدوات التضليل التي استعان بها فرعون لقلب الحقيقة وتزويرها. يقول تعالى:''فلمّا جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنّا نحن الغالبين، قال نعم وإنّكم إذا لمن المقربين'' [2] .إنهم يقفون بين يدي فرعون صفوفا (وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه وهو يعدهم ويمنيهم. يقولون أئنّ لنا لأجرا إن كنّا نحن الغالبين؟ قال: نعم، وإنّكم إذا لمن المقربين. قال لهم موسى: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا، أي لا تخيلوا النّاس-بأعمالكم-إيجاد أشياء لا حقائق لها وإنّها مخلوقة وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله، فيسحتكم بعذاب أي يهلككم بعقوبة هلاكا لا بقية له، وقد خاب من افترى) [3] .
ووصل الأمر بالسحرة أن أقسموا بعزة فرعون وعظمته، يقول تعالى:''فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون [4] إنّا لنحن الغالبون'' [5] .وأي شيء أكبر دلالة على دعمهم لفرعون من هذا القول، حين (أقسموا بقوة فرعون وشدة سلطانه ومنعة مملكته إنّا لنحن الغالبون موسى) [6] ،والمعنى أنّهم أقسموا (على أنّ الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم، أو لإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر) [7] .
يبحث الطاغوت-حين يبحث-فقط عمّن يُواليه ويطمئنّ إليه، وذلك ليستتر الطاغوت به ويحتمي، ولقد تعددت تلك السواتر وتنوعت، ومنها الأحزاب السياسية التي تحمل فكر النّظام، ويُطلق على هذا الشكل من السواتر (الحزب الحاكم) ،ويكون لعناصره امتيازات خاصة، لأنّ الولاء للطاغوت معناه ولاء للمصلحة، فيقوم النّظام الحاكم بتسهيل كل ما من شأنه تطوير هذا الحزب وتقويته، ويفرض على النّاس-أحيانا-منهجا ثقافيا يصب في خدمة الحزب الحاكم، كما يعمد النظام
(1) تفسير أبي السعود (6/ 25) .وانظر: روح المعاني (16/ 224) .
(2) [الشعراء:41 - 42] .
(3) تفسير ابن كثير (3/ 158) .
(4) (قولهم(بعزة فرعون) وجهين الأول أنه قسم وجوابه إنا لنحن الغالبون والثانى متعلق بمحذوف والباء للسببية أى نغلب بسبب عزته والمراد بالعزة العظمة) فتح القدير (4/ 99) .
(5) [الشعراء:44] .
(6) تفسير الطبري (19/ 72) .وانظر: تفسير النسفي (3/ 185) .
(7) تفسير البيضاوي (4/ 238) .وانظر: تفسير أبي السعود (6/ 242) .