فهرس الكتاب
والانتصار. يقول تعالى:''أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ'' [1] ؛ذلك أنّ التمكين لمن ليس أهلا لتحمل الأمانة والقيادة يُلحق ضررا بسمعة الحق الذي يدعون حمله، وهو ما يُشير إليه قوله تعالى:''الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتَوُا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر'' [2] ،وفي ذلك (إشارة إلى حال أهل التمكين وأنهم مهديون هادون) [3] .
لقد فرض فرعون المعركة على موسى حين أضحى نظام فرعون قلقا مضطربا بسبب الإخفاقات المتتالية له ولحزبه، وخصوصا تلك الهزيمة النكراء التي انتهت بها تلك المباراة الشهيرة مع السحرة؛ فتوافرت بواعث المعركة وكشف الطاغوت عن حقيقته المجرمة، وأقبلت المحن والإبتلاءات؛ فقتل فرعونُ السحرة بعد أن أعلنوا إيمانهم، وأعاد القتل على بني إسرائيل ونشر الرعب في قلوب النّاس .. أقبلت المحن، ونحن مصرون على المضي في الطريق، فكيف السبيل لمواجهتها؟ هذا ما سنذكره بعد طول نظر بتلك المحنة الكبرى، حيث أرشدنا القرآن الكريم لعدة وسائل لمواجهة تلك المحنة وكل محنة قد تُواجُهنا في المستقبل.
إنّ وجود المحن ليس مبررا للقعود عن القيام بالواجب، ولو كان الأمر كذلك لما أُمرنا بالجهاد في سبيل الله، ولما كان الشهداء والجرحي والأسرى .. إنّ الله سبحانه وتعالى حين فرض علينا القيام بتلك المواجهة مع الطاغوت أرشدنا إلى ما به نستطيع خوض غمار تلك الملحمة، وكل من لا يقوم بتلك المهمة والتكليف فهو آثم عند الله، فما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب. من هنا تأتي أهمية بيان وسائل مواجهة المحن.
الوسيلة اللأولى: التعبئة الروحية
هي فعل كلّ ما من شأنه أن يقرّب العبد من ربه، وتجعله زاهدا في هذه الدنيا وما فيها، مقبلا على ما عند الله فهو خير وأبقى، ولقد أثبتت التجارب قديمها وحديثها أنّ الفئة المؤمنة المتمسكة بحبل الله هي الفئة القادرة على التضحية بالمال والنفس؛ فالإنسان بطبعه ينظر إلى ما وراء عمله وجهده، فإذا لم يكن عنده تطلع إلى الآخرة وما أعد الله فيها للمؤمنين فما الذي يجعله يثبت ويُقدّم التضحيات؟ وإذا كان تصوره محدود في هذه الأرض فكيف يستطيع أن يواجه الطاغوت؟ فمن المستحيل قطعا أن ننتصر على الطاغوت ونحن تمتلؤ قلوبنا بحب الدنيا والتّعلق بها، ذلك أنّ الله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فكلما (توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق) [4] .
(1) [العنكبوت:2] .
(2) [الحج:41] .
(3) روح المعاني (17/ 212) .
(4) أبجد العلوم (1/ 124) .