إنّها التعبئة القادرة على انتزاع الخوف من الطاغوت، يقول تعالى:''فلا تخشوا النّاس واخشون'' [1] ،وهذا نهى لأَتْباعِ الحق عن خشيتهم غير الله [2] ،وبها-أيضا-نتخلص من حظ النفس وحظ الشيطان، يقول تعالى:''فاعبد الله مخلصا له الدين'' [3] ،أي من الشرك والرياء؛ فالإخلاص أن يقصد العبد بعمله وجه الله سبحانه [4] ،ولن يكون هذا إلاّ بتعبئة روحية مستمرة لا تنقطع أرشد الله-سبحانه-إليها موسى ومن معه من المؤمنين، ويمكن إجمالها فيما يلي:
بذكر الله تطمئنّ القلوب، وترجع لجميع أقضية الحق، يقول تعالى:''ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب'' [5] ،أي تسكن وتستأنس بذكره فتطمئنّ [6] ؛فالذكر صفاء القلب وذهاب الظلمة النفسانية وحصول الذوق والشوق [7] .وذكر الله سبحانه مطلوب في كل حين، وهو عند الشدائد آكد، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب:''لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم'' [8] .وكم نحن بحاجة إلى تلك الطمأنينة حين يشتد النّزال مع الطاغوت.
وبالذكر تكون المعية مع الله، ففي الحديث القدسي''وأنا معه حين يذكرني'' [9] ،أي (معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة) [10] .تلك المعية التي أيقنها موسى عليه السلام حين (لحق فرعون بجمعه-أي جمع موسى-وقرب منهم ورأت بنو إسرائيل العدو القوي والبحر أمامهم ساءت ظنونهم، وقالوا لموسى:''إنّا لمدركون'' [11] ،فردّ عليهم قولهم وزجرهم وذكرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر) [12] ،فكان جوابه عليه السلام لهم:''كلاّ إنّ معي ربي
(1) [المائدة:45] .
(2) انظر: تفسير النسفي (1/ 284) .
(3) [الزمر:2] .
(4) انظر: تفسير البيضاوي (5/ 57) وفتح القدير (4/ 448) .
(5) [الرعد:28] .
(6) انظر: تفسير الطبري (13/ 145) .
(7) انظر: فيض القدير (5/ 409) .
(8) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب دعاء الكرب (4/ 2092) رقم (2730) .
(9) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى (4/ 2067) رقم (2675) .
(10) السيوطي: أبو الفضل، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن الكمال (849 - 911 هـ) ،الديباج على صحيح مسلم،6 أجزاء، تحقيق: أبو إسحاق الحويني الأثري، دار ابن عفان، الخبر-السعودية،1416 هـ-1996 م. (6/ 44/2675) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (الديباج) .
(11) [الشعراء:61] .
(12) تفسير القرطبي (13/ 106) .