سيهدين'' [1] . (فعندما ضاق الأمر اتسع، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق البحر فكان كل فرق كالطود العظيم) [2] .
إنّه اليقين بوعد الله:''لا تخافا إنّني معكما أسمع وأرى'' [3] ،أي (لا تخافا منه فإنّني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه لا يخفى عليّ من أمركم شيء، واعلما أنّ ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلاّ بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي) [4] .
ولهذا أُمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون وأُمر كذلك بالوسيلة التي تُعينه على تلك المواجهة الساخنة وما تحمله من مشاق كبيرة، حيث أرشده الله سبحانه وتعالى إلى الإكثار من ذكره، فقال سبحانه:''ولا تنيا في ذكري'' [5] ،أي (لا تفترا ولا تقصرا في ذكري، أي بما يليق بي من الصفات الجليلة والأفعال الجميلة عند تبليغ رسالتي والدعاء إليّ، وقيل: المعنى لا تنيا في تبليغ رسالتي، فإن الذكر يقع على جميع العبادات وهو أجلها وأعظمها، وقيل: لا تنسياني حيثما تقلبتما، واستمدا بذكري العون والتأييد، واعلما أنّ أمرا من الأمور لا يَتَأَتى ولا يتسنى إلا بذكري) [6] .
و (ينبغي للعبد أن لا يشغله شيء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إليه عند الشدائد، ويُقبل عليه بكليّته فارغ البال، واثقا بأنّ لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال) [7] ،ولهذا كان التوجيه الرّبانيّ لتعريف أهل الإيمان بالأفعال التي تُرجى لهم باستعمالها عند لقائهم عدوهم النصرة عليهم والظفر بهم''يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله [8] كثيرا لعلكم تفلحون'' [9] ،أي أُذكروا
(1) [الشعراء:62] .
(2) تفسير ابن كثير (2/ 431) .
(3) [طه:46] .
(4) تفسير ابن كثير (3/ 155) .
(5) [طه:42] .
(6) تفسير أبي السعود (6/ 17) .وانظر: الدر المنثور (5/ 579) وتفسير الثعالبي (3/ 30) وتفسير البيضاوي (4/ 51) وتفسير النسفي (3/ 55) .
(7) تفسير أبي السعود (4/ 25) مع بعض التصرف.
(8) (للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال: الأول: أُذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإنّ ذكره يُعين على الثبات في الشدائد. الثاني: اثبتوا بقلوبكم واذكروه بألسنتكم، فإنّ القلب لايسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأُمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت اللسان على الذكر، ويقول ماقاله أصحاب طالوت:''ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين''،وهذه الحالة لاتكون إلا عن قوة المعرفة واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. الثالث: اذكروا ماعندكم من وعد الله لكم في اتباعه أنفسكم ومثامنته لكم. قلت: والأظهر أنهّ ذكر اللسان الموافق للجنان. ولهذا قالوا: لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا، يقول الله عز وجل:''ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا''،ولرخص للرجل في الحرب، يقول الله عز وجل:''إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا'') تفسير القرطبي (8/ 23 - 24) مع بعض التصرف.
(9) [الأنفال:45] .