فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 259

المسلمين، فبالإضافة لما ذكره الأولون تجوز التقية للمجاهدين الذين يخشون على أنفسهم من الانكشاف، كما وتجوز التقية أيضا للمخابرات المسلمة وأجهزة الأمن الخاصة بالمجاهدين وكلّ ما يجلب نفعا ويدرؤ مفسدة عن المسلمين في هذا العصر جازت التقية فيه. والله أعلم.

من خلال النّظر في كيفية مواجهة فرعون، والوسائل التي استعملت في تلك المواجهة نستطيع الخروج بعدة نتائج أهمها ما يلي:

النتيجة الأولى: إنّ جميع هذه الوسائل تندرج في مفهوم جهاد الدفع وليس جهاد الطلب، بل جهاد الصبر والمصابرة والثبات، والسقف الأعلى لتلك الوسائل هو الكلمة للوصول إلى حالة الإنسلاخ عن الطاغوت والتحرر منه، وهذا يعني القضاء على سبب من أسباب ظهور شخصية فرعون، فلو انفض النّاس عن الطواغيت لما كان لهم شأن يُذكر، فليس الطاغوت في نهاية الأمر سوى فرد لا يملك غير قدرات محدودة.

النتيجة الثانية: إنّها وسائل تعتمد في جوهرها على الشخصية الصلبة والصابرة، وذلك لعدم تكافؤ القوى؛ فالفئة المؤمنة لا تمتلك القدرة ولا الأدوات التي بها تمنع الأذى عن نفسها، فليس أمامها إلاّ الصبر والتّحمل وما قد يُتاح لها من هامش التَّخفي. وهذا ظاهر في شخصية موسى وهارون، ومن دونهم في الصبر كالسحرة، وظاهر أيضا في أسلوب التكتم والسريّة الذي أشرنا إليه في مواضعه.

وذلك ما حدث للأوائل من أمتنا وسادة دعوتنا من الصحابة الأحباب حين واجهوا المحن العظام بصبر تنوء عن حمله الجبال، حتى بلغ الأمر بهم أن شَكُوا لرسول الله أوضاعهم. روى البخاري عن خباب رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة، ولقد لقينا معاشر المسلمين من المشركين شدة شديدة،،فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله، فقعد وهو محمر وجهه، فقال:''لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه'' [1] .

النتيجة الثالثة: إنّ هذه الوسائل متناسبة مع الهدف الذي يسعى إليه موسى عليه السلام، وهذا يعني أنّ الوسائل المستعملة في القضاء على الطاغوت وإنهاء النظام الظالم لإحلال الحق مكانه سوف تتعدى تلك الوسائل الدفاعية إلى الوسائل الهجومية كمرحلة مُتقدمة في المواجهة، ولن تبقى في مستوى الدفاع فحسب. مع ملاحظة أنّنا في مرحلة دفاعية على المستوى المحلي والإقليمي

(1) صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة (3/ 1398) رقم (3639) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت