فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 259

قليلة،''وإنّهم لنا لغائظون''أي كل وقت يصل إلينا ما يغيظنا،''وإنا لجميع حاذرون''أي نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإنّي أريد أن أستأصل شأفتهم وأبيد خضراءهم) [1] .

فانظر كيف رتّب خطابه، حيث أشار أولا إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم، يريد أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم، ثمّ إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم، لأنّهم يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا، فيجب التيقظ في شأنهم لأنّنا قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إخماده. وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من قهره وسلطانه [2] ،وبهذه العقلية الماكرة أخفى فرعون ما أراد إخفاءه.

ولكن ماذا كانت نتيجة مكره؟ كانت وبالا عليه، فالله جلّ شأنه كان له بالمرصاد، يعلم تدبيره ويطلع على مكره، يقول تعالى:''ولا يحيق المكر السيء إلاّ بأهله'' [3] . أي (وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم) [4] .فهل يتعظ المعاصرون بما حدث للغابرين؟ فليسوا هم بأشد ممّن سبقهم مكرا ولا تدبيرا ولا كيدا، فأخذهم الله بذنوبهم وكانت عاقبة أمرهم خسرا، يقول تعالى:''وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا'' [5] ،لقد جرّب الأولون فضرُّوا بمكرهم أنفسهم لأنهم أسخطوا ربهم بذلك على أنفسهم حتى أهلكهم ونجى رسله، فهو أحكم تدبيرا و أعظم كيدا [6] .

وأمّا الدّعاة إلى الله فنذكرهم بوصية الله لنبيه صلى الله عليه وسلّم، حيث يقول سبحانه:''واصبر وما صبرك إلاّ بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق ممّا يمكرون'' [7] . (فلا يضيق صدره بمكرهم فإنما هو داعية لله، فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين، وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئا لنفسه، وقد يقع به الأذى لامتحان صبره، ويبطيء عليه النصر لابتلاء ثقته بربه، ولكنّ العاقبة مظنونة ومعروفة، فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون) [8] .

عبرة المبحث:''ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين''[9].

(1) تفسير ابن كثير (3/ 336،337) .

(2) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 239) وتفسير أبي السعود (6/ 244) وتفسير النسفي (3/ 186،187) .

(3) [فاطر:43] .

(4) تفسير ابن كثير (3/ 563) .

(5) [الرعد:42] .

(6) انظر: تفسير الطبري (13/ 175) .

(7) [النّحل:127] .

(8) في ظلال القرآن (5/ 293 - 294) مع بعض التصرف.

(9) [الأنفال:30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت