ولا يغرّنّك-في هذا المبحث-قول فرعون لموسى عليه السلام:''إن كنت جئت بآية فات بها إن كنت من الصادقين [1] '' [2] .حيث (لم يكن هذا من فرعون حرية رأي، بل هي فرصة أمام فرعون وملئه أن يُظهروا موسى عليه السلام بمظهر الكاذب الذي يزعم أنّه رسول من رب العالمين بلا بينة ولا دليل) [3] ،وعندما أثبت موسى بيِّنته، ورأى فرعونُ الحقَّ هدد موسى وتوعده، وخرج من ميدان الحجة إلى ميدان السلاح والقوة؛ ذلك أنّ فرعون صاحب الشعار المعروف''ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد'' [4] ،أي ما أشير عليكم أيها الناس من الرأي والنصيحة وما أهديكم بهذا الرأي إلا سبيل الرشاد [5] .
ومثل ذلك يُقال حين استشار فرعون قومه بشأن موسىعليه السلام بعد أن أحس فرعون بالخطر على عرشه، يقول تعالى حكاية لقول فرعون:''قال للملأ حوله إنّ هذا لساحر عليم، يريد أن يُخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون'' [6] ،ففي تلك اللحظة يفطنون لشعوبهم، يقول سيد قطب رحمه الله: (وتلك شنشنة الطغاة حينما يحسّون أن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم. عندئذ يلينون في القول بعد التجبر ويلجأون إلى الشعوب وقد كانوا يدوسونها بالأقدام. ويتظاهرون بالشورى باللأمر وهم كانوا يستدبون بالهوى: ذلك إلى أن يتجاوزوا منطقة الخطر، ثمّ إذا هم هم جبارة مستبدون ظالمون!) [7] .فتلك مشورة للمناورة تقتضيها الظروف الصعبة والخطيرة، حتى إذا مرّت العاصفة عادوا كما كانوا.
ولا عجب أن يكون مطلب موسى عليه السلام الأول والأوحد هو إطلاق بني إسرائيل، حيث يقول تعالى حكاية لقوله:''قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل'' [8] . (أي أطلقهم من أسرك وقهرك وعذابك ودعهم وعبادة ربهم) [9] .فهي-إذن-رسالة مفادها التحرر من الإستبداد الذي كان مسيطرا في ظلّ شخصية فرعون، وهذا هو جوهر رسالتنا الإسلامية، فهي تهدف لتحرير الإنسان
(1) (أي من عند من أرسلك كما تدعيه فأت بها أي فأحضرها حتى تثبت بها رسالتك إن كنت من الصادقين في دعواك فإن كونك من جملة المعروفين بالصدق يقتضي إظهار الآية لا محالة) تفسير ابي السعود (3/ 258) ،وانظر: فتح القدير (2/ 231) وتفسير ابن كثير (2/ 237) وتفسير الطبري (9/ 14) .
(2) [الأعراف:106] .
(3) في ظلال القرآن (3/ 600) .
(4) [غافر:29] .
(5) انظر: روح المعاني (24/ 65) وزاد المسير (7/ 219) وتفسير الجلالين (1/ 622) وتفسير الطبري (24/ 59) وتفسير القرطبي (15/ 310) .
(6) [الشعراء:34 - 35] .
(7) في ظلال القرآن (6/ 205) .
(8) [الأعراف:105] .
(9) تفسير القرطبي (7/ 256) وانظر: تفسير البغوي (2/ 195) وزاد المسير (3/ 237) .