فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 259

تأتي مرحلة التنفيذ بعد الإعداد والتهيئة، تأتي وقد تجهز موسى عليه السلام وتسلّح بكل ما هو ضروري لتلك المواجهة. ولا نريد هنا سرد الأحداث فتلك مسألة معلومة، ولكن نريد أن نقرأ حدث المواجهة لاستنباط العناصر الأساسية في تلك المواجهة، وفي كل مواجهة مثلها مع الطواغيت، والتي يُمكن إجمالها فيما يلي:

أولا: بيان هدف الدعوة وغايتها مع تقديم الحجة والبرهان

(البيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، أو إظهار المعنى للنفس حتى يتبين من غيره وينفصل عما يلتبس به، أو هو إظهار المتكلم المراد للسامع) [1] ؛فالكلمة المبيّنة لهدف الدعوة وغايتها بصورة لا غبش فيها ولا تشويش، وبذل الجهد المستطاع حتى تكون الدعوة مفهومة عند مَن تخاطبه أمر في غاية الأهمية، إذ أنّ قيمة الشيء تكمن في فهمه وإدراكه، فإذا لم تُدرك الجماهير هدف الدعوة وغايتها تبقى الدعوة لا قيمة لها، فنجاح الدعوة-بعد مشيئة الله سبحانه-منوط بوضوح الخطاب ويسره؛ ذلك أنّ الله سهّل القرآن وهيأه للذكر والاتعاظ [2] ،يقول تعالى:''ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر'' [3] .ولا بدّ لهذه الكلمة المعبرة الصادقة من تحريك وعي الجماهير حتى تصبح جماهير حيّة قادرة على التمييز والمعرفة، فتعبئة الجماهير فكريا أمر ملح وضروري.

والبيان النّاجح هو البيان الذي يعتمد على الحكمة والموعظة الحسنة، (أي بالمقالة المحكمة الصحيحة، والدليل الموضح للحق المزيح للشبهة، والعبر النافعة المُقنعة على وجه لا يخفى على النّاس وجه الحق) [4] ،وذلك بأسلوب لا إفراط فيه ولا تفريط؛ فالتشدد في غير موضعه تنفير وتدمير، كما أنّ التفريط إضاعة للحق والدّين.

نريد بيانا يكشف عن المعنى المقصود وإظهاره كما هو منهج القرآن، يقول تعالى:''هذا بيان للناس'' [5] ، (فالقرآن أعلى منازل البيان وأعلى مراتبه، حيث جمع وجوه الحسن وأسبابه وطرقه وأبوابه من تعديل النظم وسلامته وحسنه وبهجته وحسن موقعه في السمع وسهولته على اللسان ووقوعه في النفس موقع القبول وتصوره تصور المشاهد .. وإذا علا الكلام في نفسه كان له من الوقع في القلوب والتمكن في النفوس ما يذهل، ويبهج ويقلق ويؤنس ويطمع ويؤيس ويضحك ويبكي ويحزن ويفرح ويسكن ويزعج ويشجي ويطرب ويهز الأعطاف ويستميل نحوه الأسماع ويورث

(1) والبيان أنواع: (بيان التقرير وهو توكيد الكلام بما يرفع احتمال المجاز والتخصيص. وبيان التفسير ما فيه خفاء من المشترك أو المشكل أو المجمل أو الخفي. وبيان التغيير وهو تغيير موجب الكلام نحو التعليق والاستثناء والتخصيص. وبيان الضرورة هو نوع بيان يقع بغير ما وضع له لضرورة إذ الموضوع له النطق وهذا يقع بالسكوت. وبيان التبديل وهو النسخ أي نسخ حكم شرعي بدليل شرعي متأخر) .التعاريف (1/ 149 - 150) مع بعض التصرف.

(2) انظر: تفسير البيضاوي (5/ 266) والبرهان في علوم القرآن (3/ 9) .

(3) [القمر:17] .

(4) تفسير أبي السعود (5/ 151) مع بعض التصرف.

(5) [آل عمران:138] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت