فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 259

بالحجة والدليل والمنطق الواضح السليم. وهذا يعني أنّ من أراد أن يتصدر للدعوة إلى الله-وخصوصا هذه الأيام حيث تثار الشُّبَهُ من الأعداء-لا بدّ له من قدرات ومهارات خاصة بالإضافة إلى سعة العلم والاطلاع وخصوصا على ثقافة العصر ولغته وما يدور فيه من أحداث وأفكار.

إنّ سعة الصدر وغزارة العلم مؤهلات ضرورية لكل من أراد أن يتصدر طاولة الحوار والمناقشة؛ ذلك أنّ مناقشة الشبهات والآراء تستلزم مثل هذه المؤهلات. ومن هنا فإنّنا نُؤاخذ كل من يضع نفسه في مقام لا يستطيع القيام بما يمليه عليه ذلك المقام، بل إنّ هناك من يتصدر للدعوة في ظروف معينة ويفشل في إدارة الحوار ويعجز عن الرد، وبالتالي يُظهر الإسلام وكأنّه دين ضعيف، فيسيء من حيث أراد الإحسان، وربما-وللأسف-هناك من يعدُّ الظهور في الحوارات نوعا من الوجاهة ولو كانت على حساب الدين، وهذه طامة كبرى.

كما لا بد-للمتصدر للحوار-أن تتوفر فيه الشجاعة لقول كلمة الحق، وأن لا يداهن على حساب هذا الدين، طمعا في منصب أو جاه أو مال! وعليه أن لا يُساير الباطل ولو قيد أُنملة. وهناك من يأتي بالعبارات المبهمة يتحاشى بذلك قول الحقيقة الساطعة الواضحة؛ فتبقى الأمور ضبابية غير معلومة عند الجماهير الذين يشاهدون ويسمعون، وهي علة يُعاني منها الخطاب الإسلامي، وسبب في تعثر المسير نحو الهدف.

وفي مقابل المبهوتين بالحضارة الغربية والداعين لتطوير الدّين ليواكب-بزعمهم-لغة العصر يأتي المتنطعون، والذين يُظهرون الدّين كما وأنّه زنزانة فكرية متحجرة، ويظنون بهذا أنّهم يُحافظون على الدين ويخدمونه، وهم بذلك يقضُونَ عليه ويخربونه ويُنَفِرُّون النّاس منه، بل إنّ هناك من لو ترك الأمر إليهم لمات هذا الدّين ولفقد قدرته على الحياة.

نحن بحاجة إلى إتقان الوسطية وعرضها على النّاس بأسلوب جذّاب، نرد به على الشبهات بلباقة وحنكة ومهارة، ونقنع النّاس بديننا بالتي هي أحسن، وتلك هي الحكمة التي أرادها الله،''ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا'' [1] .أي الفقه والفهم والإصابة في القول والفعل [2] .

إنّ براعة موسى علية السلام ومهارته وفطنته لتظهر ساطعة في ترتيب المباراة مع السحرة، ذلك أنّ فرعون كذّب وأبى الإيمان والطاعة لعتوه، وادعى أنّ موسى ما جاء إلاّ ليخرجهم من أرضهم بسحره، ولولا عِلمه بالحق الذي جاء به موسى لما خاف منه على ملكه، فإنّ الساحر لا يقدر أن يُخرج ملكا مثله من أرضه [3] ،ولكنّه كابر وأكدّ أنّه سيأتي بسحر مثل سحر موسى-بزعمه-ليعارضه به، وقال:''فلنأتينّك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نُخلفه نحن ولا أنت مكانا

(1) [البقرة:269] .

(2) انظر: تفسير الطبري (3/ 89 - 90) .

(3) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 56) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت