(وهذه أشد مساسا بفرعون ودعواه وأوضاعه، فهو يجبهه بأنّ رب العالمين هو ربه، فما هو إلا واحد من عبيده. لا إله كما يدعي بين قومه! وهو رب قومه، فليس فرعون ربهم كما يزعم عليهم! وهو رب آبائهم الأولين. فالوارثة التي تقوم عليها ألوهية فرعون دعوى باطلة. فما كان من قبل إلا الله رب للعالمين!) [1] .
حينئذ خاف من تأثر قومه منه، فأراهم أنّ ما قاله عليه الصلاة والسلام مما لا يصدر عن العقلاء صدا لهم عن قبوله، فقال مؤكدا لمقالته الشنعاء بحرفي التأكيد:''إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون'' [2] ،أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر. قال ذلك ليفتنهم ويصرفهم عن قبول الحق، وسمّاه رسولا بطريق الإستهزاء، وأضافه إلى مخاطبية ترفعا من أن يكون مرسلا إلى نفسه [3] .
قال موسى تكميلا لجوابه الأول وتفسيرا له وتنبيها على جهلهم وعدم فهمهم:''رب المشرق والمغرب وما بينهما، إن كنتم تعقلون'' [4] ،تشهدون كل يوم أنّه يأتي بالشمس من المشرق، ويُحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات، فإن كان لكم عقل علمتم أن لاجواب لكم فوق ذلك، وفيه إيذان بغاية وضوح الأمر بحيث لا يشتبه على من له عقل في الجملة، وتلويح بأنّهم بمعزل من دائرة العقل، وأنّهم المتصفون بما رموه عليه الصلاة والسلام به من الجنون. لايَنَهُم-عليه السلام-أولا ثمّ لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم، وعارضهم بمثل مقالهم [5] .
قال اللعين لمّا سمع من موسى عليه الصلاة والسلام تلك المقالات المَبنِيّة على أساس الحكم البالغة، وشاهد شدة حزمه وقوة عزمه على تَمشِية أمره، وأنّه ممن لا يُجاري في حلبة المحاورة، ضرب صفحا عن عن المقاولة بالإنصاف، ونأى بجانبه إلى عدوة الجور والإعتساف. فقال مظهرا لما كان يضمره عند السؤال والجواب:''لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنّك من المسجونين'' [6] ،عدولا إلى التهديد عن المحاجة بعد الإنقطاع، وهكذا دين المعاند المحجوج، وتلك هي مأساة الطواغيت في كل زمان ومكان [7] .
إنّنا ومن خلال هذا الحوار الذي أداره موسى عليه السلام وكيفية ردّه على الشبهات والأسئلة التي أثارها فرعون ندرك مدى ما كان يتمتع به موسى من قدرة على الحوار والمناقشة والإقناع
(1) في ظلال القرآن (6/ 203) .
(2) [الشعراء:27] .
(3) انظر: تفسير أبي السعود (6/ 239) وتفسير البيضاي (4/ 235) وفتح القدير (4/ 97) .
(4) [الشعراء:28] .
(5) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 236) وتفسير أبي السعود (6/ 240) وروح المعاني (19/ 73)
(6) [الشعراء:29] .
(7) انظر: تفسير أبي السعود (6/ 240) وتفسير البيضاوي (4/ 236) وفتح القدير (4/ 98) .