عنه قوله:''أنا ربكم الأعلى'' [1] ،وقوله:''ما علمت لكم من إله غيري'' [2] ، وينطق به وعيده عند تمام أجوبته عليه الصلاة والسلام) [3] .
فأجاب موسى بقوله:''رب السموات والأرض وما بينهما'' [4] ، (وهو جواب يُكافئ ذلك التجاهل ويغيظه. إنّه رب هذا الكون الهائل الذي لا يبلغ إليه سلطانك-يافرعون- ولا علمك. وقصارى ما ادعاه فرعون أنّه إله هذا الشعب وهذا الجزء من وادي النيل. وهو ملك صغير ضئيل، كالذرة والهباءة في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما. وكذلك كان جواب موسى-عليه السلام-يحمل استصغار ما يدعيه فرعون مع بطلانه، وتوجيه نظره إلى هذا الكون الهائل، والتفكير فيمن يكون ربه .. فهو رب العالمين!) [5] ... ثمّ عقب على هذا التوجيه بما حكايته:''إن كنتم موقنين'' [6] ،أي (إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها علمتم ذلك أو إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء فهذا أولى بالإيقان لظهوره وإنارة دليله) [7] .
قال فرعون عند سماع جوابه عليه الصلاة والسلام خوفا من تأثيره في قلوب قومه وإذعانهم له لمن حوله من أشراف قومه:''ألا تستمعون'' [8] ،أي جوابه. سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله [9] .
قال موسى تصريحا بما كان مندرجا تحت جوابية السابقين، وحطا لفرعون من ادعاء الربوبية إلى مرتبة المربوبية:''ربكم ورب آبائكم الأولين'' [10] ،عدولا إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه مثله ويشك في افتقاره إلى مصور حكيم ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل [11] ، (فأوضح لهم أن فرعون مربوب لا رب كما يدعيه، والمعنى أنّ هذا الرب الذى أدعوكم إليه هو الذى خلق آباءكم الأولين وخلقكم فكيف تعبدون من هو واحد منكم مخلوق كخلقكم وله آباء قد دُفنوا كآبائكم؟ فلم يجبه فرعون عند ذلك بشئ يعتد به بل جاء بما يشكك قومه، ويخيل إليهم أن هذا الذى قاله موسى مما لايقوله العقلاء) [12] .
(1) [النّازعات:24] .
(2) [القصص:38] .
(3) تفسير أبي السعود (6/ 239) .
(4) [الشعراء:24] .
(5) في ظلال القرآن (6/ 203) .
(6) [الشعراء:24] .
(7) تفسير أبي السعود (6/ 239) .
(8) [الشعراء:25] .
(9) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 235) وروح المعاني (19/ 72) .
(10) [الشعراء:26] .
(11) روح المعاني (19/ 72) .
(12) فتح القدير (4/ 97) .