أشدّ العذاب'' [1] ،أي (عذاب جهنّم فإنه أشد مما كانوا فيه، أو أشد عذاب جهنم، فإنّ عذابها ألوان بعضها أشد من بعض) [2] ،والمعنى أدخلوهم أشده ألما وأعظمه نكالا؛ ذلك أنّ شدة العذاب دليل على عظم الجريمة التي ارتكبوها. فيا له من مشهد مخيف ونهاية شقية بئيسة!
إنّ هذه العقوبات تدلُّ على عظم الجرم الذي ارتكبه آل فرعون، وهو الدور الذي مثّلوه في نظام فرعون ومن ثمّ إظهار شخصيته، وهو ما أردت تبيانه من أنّ آل فرعون كانوا سببا في ظهور هذه الشخصية المنحرفة.
قوم فرعون (وهم قبط مصر) [3] ،وهم القاعدة العريضة التي تساند فرعون، ولقد اتصف قوم فرعون بصفات سيئة كانت في مجموعها سببا في خضوعهم وطاعتهم لفرعون، وكان هذا الخضوع وهذه الطاعة والمتابعة لفرعون سببا في عتوه واستكباره وتجبره، فهناك ارتباط واضح بين صفات القوم وبين خضوعهم وطاعتهم لفرعون؛ ذلك الخضوع الذي أظهر شخصية فرعون. ومن هنا كان لا بدّ أن نلقي بعض الضوء على صفاتهم التي كانت الأساس الذي منه ظهرت شخصية فرعون، وكانت العلة في عتوه وتجبره.
أولا: الفسق. لقد اتصف قوم فرعون بالفسق، و (الفسق العصيان والترك لأمر الله عز وجل والخروج عن طريق الحق .. والفسوق الخروج عن الدين وكذلك الميل إلى المعصية، كما فسق إبليس عن أمر ربه. وفسق عن أمر ربه، أي جار ومال عن طاعته .. والعرب تقول إذا خرجت الرطبة من قشرها: قد فسقت الرطبة من قشرها، وكأنّ الفأرة إنّما سميت فُوَيسقه لخروجها من جحرها على الناس. والفسق الخروج عن الأمر) [4] .
إنّ فسق قوم فرعون مكّن فرعون من استخفافهم-كما بيّن القرآن-ليصبحوا أداة طيّعة بيده الآثمة، وسببا من أسباب عتوه وتجبره؛ فهي جماهير خاوية ميّتة مُفرغة من أي محتوى أو مضمون، يقول تعالى:''فاستخف قومه فأطاعوه [5] إنّهم كانوا قوما فاسقين'' [6] .أي (طلب منهم
(1) [غافر:45 - 46] .
(2) تفسير أبي السعود (7/ 279) .
(3) تفسير ابن كثير (4/ 142) وانظر: تفسير الطبري (25/ 118) والبداية والنهاية (1/ 268) والمنتظم في التاريخ (1/ 346) .
(4) لسان العرب، مادة: فسق (10/ 308) مع بعض التصرف. وانظر: مختار الصحاح، مادة: فسق (211) .
(5) (أي حملهم على الخفة والجهل. يقال: استخفه عن رأيه واستفزه عن رأيه إذا حمله على الجهل وأزاله عما كان عليه من الصواب، واستخف به أهانه) لسان العرب، مادة: خفف (9/ 80) .و (المعنى فاستجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم. يقال: استخفه الفرح أي أزعجه، واستخفه أي حمله على الجهل، ومنه''ولا يستخفنك الذين لا يوقنون'' [الروم:60] . وقيل: استفزهم بالقول فأطاعوه على التكذيب. وقيل: استخف قومه أي وجدهم خفاف العقول، وهذا لا يدل على أنه يجب أن يطيعوه، فلا بد من إضمار بعيد تقديره وجدهم خفاف العقول فدعاهم إلى الغواية فأطاعوه. وقيل: استخف قومه وقهرهم حتى اتبعوه، يقال: استخفه خلاف استثقله واستخف به أهانه. إنّهم كانوا قوما فاسقين أي خارجين عن طاعة الله) القرطبي (16/ 101) .وانظر: فتح القدير (4/ 560) .
(6) [الزخرف:54] .