فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 259

الذكور حين أظله زمان موسى، ومن بعد ما جئتنا برسالة الله، لأنّ فرعون لمّا غُلبت سحرته-وقال للملأ من قومه ما قال-أراد تجديد العذاب عليهم بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم) [1] .

(وبالجملة فهو كلام يجري مع المعهود من بني إسرائيل من اضطرابهم على أنبيائهم وقلة يقينهم، واستعطاف موسى لهم بقوله: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض، يدلّ على أنه يستدعي نفوسا نافرة، ويُقَوّي هذا الظنّ في جهة بني إسرائيل سلوكهم هذا السبيل في غير ما قصة. وقوله:''فينظر كيف تعملون''تنبيه وحض على الإستقامة) [2] ؛ذلك أنّ موسى عليه السلام أراد أن يرفع من معنوياتهم وهم الذين ما يزالون يعيشون هاجس الكارثة وكابوس المرحلة السابقة.

إنّ من أكبر الأمنيات عند فرعون أن يستيقظ ذات يوم فلا يرى موسى مع الأحياء، وليس أمرا غريبا أن يفكر فرعون بقتل موسى، فإنّ أول ما يفكر به الطواغيت هو التّخلص من رأس الدعوة وقيادتها، وهو ما رآه أبو جهل بن هشام حلا نهائيا لخصومتهم مع محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أشار على قومه (أن يأخذوا من كل قبيلة شابا جلدا-أي قويا-حسيبا في قومه نسيبا وسطا، ثم يعطى كل فتىمنهم سيفا صارما، ثم يغدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه) [3] ،لكي يستريحوا منه، وهكذا ديدن الطغاة والمتجبرين.

ولكنّ المُلْفِت للنّظر هو خطابه لقومه:''ذروني اقتل موسى وليدع ربه'' [4] .فهل هذا عزم من فرعون لعنه الله تعالى على قتل موسى عليه الصلاة السلام؟ أي قال لقومه دعوني حتى أقتل لكم هذا، وقد كانوا يكفونه عن قتله، ويقولون: إنّه ليس الذي تخافه بل هو ساحر، ولو قتلته ظن أنك عجزت عن معارضته بالحجة، أم هو تعلل منه بذلك مع كونه سفاكا في أهون شيء؟ ممّا يدلّ على أنّه تيقن أنه نبي فخاف من قتله، أو ظنّ أنّه لو حاوله لم يتيسر له، ويؤيده قوله:''وليدع ربه''،فإنّه تجلد وعدم مبالاة بدعائه، أي لا أبالي منه وهذا في غاية الجحد والعناد، فكأنّه قيل له: إنّا نخاف أن

(1) تفسير الطبري (9/ 27) مع بعض التصرف.

(2) تفسير الثعالبي (2/ 46) .

(3) الحلبي: علي بن برهان الدين، (975 - 1044 م) ،السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون،3 أجزاء، دار المعرفة، بيروت،1400 هـ. (2/ 190) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (السيرة الحلبية) ،والكلاعي: أبو الربيع، سليمان بن موسى الأندلسي، (565 - 634 هـ) ،الإكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله، تحقيق: محمد كمال الدين عز الدين علي، ط 1،عالم الكتب، بيروت،1997 م. (1/ 334) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (الإكتفاء بما تضمنه من مغازي الرسول) .

(4) [غافر:25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت