النّاس حديثا على مصادر الثروة كالنّفط والمعادن وغيره، لما في تلك المصادر والثروات من حيوية في حياة النّاس وعيشهم، حتى صح القول: من يملك يحكم، لأنّ من بيده المال والثروة يستطيع التّحكّم في حياة النّاس، وبالتّالي حكمهم والسيطرة عليهم.
ولم تغب هذه الوسيلة القديمة الجديدة عن وسائل فرعون التي بها وعليها بنى نظامه وأسسه وأصّله، فالمالك للمال بنوعيه المنقول وغير المنقول هو فرعون، فهو يملك الأنهار والأشجار والأرض والأحجار ... كما يملك الذهب والفضة والخيل والبقر والبشر ... فهو-بزعمه-الإله والرب، وعليه فهو المالك لكل شيء يسمّى في عالم المال مال، ومن يدّعي غير ذلك أو يشك فيه فقد نازع الرب المزعوم الموهوم صلاحيّات الربوبية! فله الملك وحده بزعمه، فهو وليّ كلّ نعمة، وإليه يُردّ كل فضل! والنّاس يعيشون في ظل صاحب الجلالة على الفتات الذي يُنعم به عليهم.
بيّن القرآن أنّ فرعون ذو ملكية كبيرة ضخمة، وذلك هو معنى قول فرعون لقومه''أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون'' [1] ،فهو يُسائلهم: أليس لي ملك مصر (لا ينازعني فيه أحد) [2] ، (وهذه الأنهار أنهار النيل تجري من تحتي من تحت قصوري، أو تجري بين يدي في جناني وبساتيني) [3] . (أفلا تبصرون أيها القوم ما أنا فيه من النعيم والخير) [4] ! فتسمع الجماهير النّداء وتسكت رهبة أو رغبة. وكفى بهذا النّداء دليلا على ما يتمتع به فرعون من ملكية تشمل أرض مصر وأنهارها.
ومن الشواهد على قدرة فرعون الإقتصادية ما أمر به (وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين، يعني يتخذ له أجرا لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع العالي) [5] ،وذلك معنى قوله تعالى حكاية لقول فرعون:''فأوقد لي يا هامان على الطّين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى'' [6] .وقوله سبحانه:''قال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب'' [7] .ولو كان وضع فرعون الإقتصادي ضعيف لما استطاع أن يبني، أو أن يأمر ببناء مثل هذا الصرح، حتى قيل: إنّ (أول من أمر بصنعة الآجر وبنى به فرعون) [8] ،وليس هذا مستغربا عند مشاهدتنا للأهرامات القائمة حتى اليوم.
(1) [الزخرف:51] .
(2) تفسير القرطبي (16/ 98) .
(3) تفسير البغوي (4/ 142) .
(4) تفسير الطبري (25/ 81) .
(5) تفسير ابن كثير (3/ 391) .
(6) [القصص:38] .
(7) [غافر:36] .
(8) تفسير الطبري (20/ 77) .