فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 259

من هنا أثارت قوة موسى وأمانته انتباه تلك المرأة الصالحة حتى قالت لأبيها:''يا أبت استأجره إنّ خير من استأجرت القوي الأمين'' [1] ، (تقول إنّ خير من تستأجره للرعي القوي على حفظ ماشيتك والقيام عليها في إصلاحها وصلاحها، الأمين الذي لا تخاف خيانته فيما تأمنه عليه) [2] ،فالقوة والأمانة (تعليل لما وقع منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى، أي إنّه حقيق باستئجارك له لكونه جامعا بين خصلتي القوة والامانة) [3] ،فإذا كان قطيع من الغنم يحتاج إلى مَن يتصف بالقوة والأمانة، فكيف بمن يقود أمّة ويحمل لواء المواجهة للطاغوت!

رابعا: الصلابة والخشونة.

حين مواجهة الطاغوت لا بدّ من شخصية تمتاز بالصلابة والخشونة، فالشخصية المدللة المنعمة لا تستطيع المواجهة، فالمواجهة تعني السوط والسجن والزنازين الضيقة المظلمة، والتضييق في الرزق بل والحرب على لقمة العيش، والجراح المؤلمة والمشانق المتدلية .. ولا ننسى فراق الأحبة والولد! ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:''وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبوس الحرير'' [4] .

لهذا كله كانت شخصية موسى عليه السلام صلبة خشنة، فبعد أن شاهدناه مُرفَّها في القصور ها نحن نراه (وحيدا مطاردا في الطرق الصحراوية في اتجاه مدين في جنوبي الشام وشمالي الحجاز. مسافات، وأبعاد مترامية، لا زاد ولا استعداد .. إنّه في قلب المخافة بعد فترة من الأمن. بل من الرفاهية والطراءة والنّعمى. ونجده وحيدا مجردا من قوى الأرض الظاهرة جميعا، يطارده فرعون وجنده، ويبحثون عنه في كل مكان، لينالوا منه اليوم ما لم ينالوه منه طفلا) [5] .

ونرى موسى عليه السلام وهو في طريق عودته بعدما قضى الأجل قد (اشتاق إلى أهله، فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف، فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في طريقهم، فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف، وجعل يوري زناده فلا يوري شيئا، واشتد الظلام والبرد، فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور، وهو الجبل الغربي منه عن يمينه، فقال لأهله: امكثوا إني آنست نارا-وكأنه-والله أعلم-رآها دونهم، لأنّ هذه النار هي نور في الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها لكل أحد-لعلي آتيكم منها بخبر، أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق، أو جذوة من النار لعلكم

(1) [القصص:26] .

(2) تفسير الطبري (20/ 63) .

(3) فتح القدير (4/ 169) .

(4) صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع (3/ 1642) رقم (2069) .

(5) في ظلال القرآن (6/ 335) مع بعض التصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت