بالعمل به والتزام أوامره والكف عن نواهيه [1] .فأَمرُ الدّين جدّ لا الهزل فيه، يقول تعالى:''إنّه لقول فصل وما هو بالهزل'' [2] ،أي (فاصل بين الحق والباطل مبالغ في ذلك كأنه نفس الفصل، وما هو بالهزل، بل كله جد محض لا هوادة فيه) [3] .
وأمّا القوة بلا أمانة فطامة كبرى ومصيبة عظمى، ويكفي دلالة على ذلك أنّ إضاعة الأمانة من علامات الساعه، يقول صلى الله عليه وسلم''إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها قال إذا وُسِّد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة'' [4] .
ورفع القرآن من شأن الأمانة فقال سبحانه:''إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها'' [5] ، والمعنى (إنها لعظمية شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام وكانت ذات شعور وإدراك لأبين أن يحملنها وأشفقن منها) [6] .فالأمانة عظيمة وهي في كلّ شيء مطلوبة، وهي أعم من العهد، وكل عهد فهو أمانة، بل هي تعم جميع وظائف الدّين [7] .
ولحكمة بالغة أرادها الله لُقَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل الجاهلية الأولى بالأمين، لأنّ الله سبحانه (قد صانه وحماه من صغره، وطهره من دنس الجاهلية، ومن كل عيب، ومنحه كل خلق جميل حتى لم يعرف بين قومه إلا بالأمين لما شاهدوا من طهارته وصدق حديثه وأمانته، حتى إنّه لما بنت قريش الكعبة في سنة خمس وثلاثين من عمره فوصلوا إلى موضع الحجر الأسود اشتجروا فيمن يضع الحجر موضعه، فقالت كل قبيلة: نحن نضعه، ثمّ اتفقوا على أن يضعه أول داخل عليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: جاء الأمين فرضوا به) [8] ؛ذلك أنّ قلوب النّاس تهفوا نحو الفضيلة، فالإنسان بفطرته يتطلع إليها، ويعلم أنّها فضيلة وإن لم يكن هو صاحبها.
(1) انظر: تفسير القرطبي (11/ 86) وتفسير ابن كثير (3/ 114) .
(2) [الطارق:13 - 14] .
(3) تفسير ابي السعود (9/ 142) مع بعض التصرف. وانظر: تفسير البيضاوي (5/ 477) وفتح القدير (5/ 421) .
(4) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل، (1/ 33) رقم (59) .
(5) [الأحزاب:72] .
(6) تفسير البيضاوي (4/ 388) .
(7) انظر: تفسير القرطبي (12/ 107) .
(8) ابن كثير: أبو الفداء، إسماعيل بن عمر الدمشقي، (701 - 774 هـ) ،الفصول في اختصار سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، جزء واحد، تحقيق: محمد العيد الخطراوي، محيي الدين مستو، ط 1،مؤسسة علوم القرآن، دار القلم، بيروت،1399 هـ. (83) ،وسأشير إليه لاحقا هكذا (الفصول) .