ما دام الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه فهو قلب للأوضاع، وأخطر الظلم هو وضع مناهج للحياة بدلا عن منهج الله سبحانه، فتصبح الحياة مقلوبة بالكامل، وهذا هو منشأ الظلم الذي نشاهده اليوم بكافة أشكاله وألوانه، وذلك ما يرشد إليه قوله تعالى:''ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون'' [1] ،أي (المبالغون في الظلم المتعدون لحدوده تعالى الواضعون للشيء في غير موضعه) [2] ،والمعنى أنّ كلّ حكم بغير ما أنزل الله وضع للأمور في غير موضعها، ممّا يفسر لنا هذا الإنتشار المرعب للظلم في مشارق الأرض ومغاربها؛ فمن المستحيل أن توضع الأمور في موضعها ما دامت شريعة الله مستبعدة عن حياة النّاس.
وحتى تستقيم الحياة وتوضع الأمور في موضعها، ويقوم النّاس بالقسط لا بدّ من ميزان الشرع، وهذا ما يُرشد إليه قوله تعالى:''لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم النّاس بالقسط'' [3] .أي (ليعمل الناس بينهم بالعدل) [4] .
وقد يدعي البعض ممّن تحكموا في رقاب النّاس أنّهم مسلمون وأن بلدهم الذي يحكمونه مسلما ... ولكنّهم كاذبون في دعواهم، فالواقع العملي يقول: أنّ الحكم المطبق هو حكم الشيطان والهوى، فلعنة الله على الظالمين.
المبحث الخامس
الإفساد
الفساد-لغة- (نقيض الصلاح) [5] ،و (المفسدة ضد المصلحة) [6] ،فهو-أي الفساد-خلل يطرأ على الأشياء فيمنع الاستفادة منها، ويحيلها إلى وضع تستحيل معه المنفعة، فالطعام الفاسد لا يُؤكل، والشراب الفاسد لا يُشرب ... وكلّ ما طرأ عليه الفساد يخرج من دائرة الانتفاع به، وهكذا حياة النّاس قد يصيبها الفساد، فيتبدل الأمن خوفا، والعدل جورا، والطمأنينة قلقا واضطرابا ... وينحرف سير
(1) [المائدة:45] .
(2) تفسير أبي السعود (3/ 43) .
(3) [الحديد:25] .
(4) تفسير الطبري (27/ 237) .
(5) كتاب العين، مادة: فسد (7/ 231) ،و (الفساد نقيض الصلاح ... ويقال: أفسد فلان المال يفسده إفسادا و فسادا) لسان العرب، مادة: فسد (3/ 335) .
(6) مختار الصحاح، مادة: فسد (211) .