فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 259

الدعوة، ولهذا كانت كلمات موسى عليه السلام موجزة معبرة حين قال:''أن أدّوا إلي عباد الله إنّي لكم رسول أمين، وألاّ تعلو على الله إنّي آتيكم بسلطان مبين'' [1] ،أي (أن لا تطغو وتبغوا على ربكم فتكفروا به وتعصوه فتخالفوا أمره) [2] .

ثمّ نبه عليه السلام إلى وجود الحجة والدليل، فالبيّنة على من ادعى، وذلك كي يقف النّاس-ومنهم فرعون-على الحقيقة التي يدعمها البرهان الساطع الذي لا لبس فيه، فلا يطالب النّاس بالإتّباع إلاّ بعد أن تلزمهم الحجة ويقوم عليهم الدليل، فيؤمن من يؤمن عن بيّنة ويكفر من يكفر عن بيّنة. ولهذا قال:''قد جئناك بآية من ربك'' [3] ،أي ببينة تدل على صدقنا في مجيئنا إليك بأمر ربك، في هذه المهمة التي حددناها، وذلك مما يحقق رسالتهما ويقررها ويوجب الامتثال بأمرهما، فهو حقيق على أن لا يقول على الله إلاّ الحق، أي جدير بذلك وحريص عليه، فذلك واجب وحق علي أن لا أخبر عنه سبحانه إلاّ بما هو حق وصدق [4] .

وإظهار اسم الرب مرّة بعد أخرى في خطاب موسى عليه السلام لفرعون كان لتأكيد الحقيقة الأولى أنّ هناك إلها هو رب فرعون ورب كل شيء، وكذلك الحال في قوله تعالى:''قد جئتكم ببينة من ربكم'' [5] .أي (قد جئتكم ببرهان من ربكم يشهد أيها القوم على صحة ما أقول وصدق ما أذكر لكم) [6] ،ثمّ بيّن له العاقبة بقوله:''والسلام على من اتبع الهدى'' [7] ،دون مواربة أو مداهنة، أي (من اتبع الهدى سلم من سخط الله عز وجل وعذابه، وليس بتحية، والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب) [8] .

وهذا هو معنى قوله تعالى لموسى وهارون:''فقولا له قولا لينا'' [9] ،فالقول الليّن هو (القول الذي لا خشونة فيه .. فإذا كان موسى أُمر بأن يقول لفرعون قولا لينا فمن دونه أحرى بأن يقتدى بذلك في خطابه وأمره بالمعروف في كلامه) [10] ،وقد قال تعالى:''وقولوا للنّاس حسنا'' [11] ، (فالقول اللين لا يثير العزة بالإثم، ولا يهيج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة. ومن

(1) [الدخان:18 - 19] .

(2) تفسير الطبري (25/ 119) .

(3) [طه:47] .

(4) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 236) وتفسير القرطبي (7/ 256) والبرهان في علوم القرآن (3/ 338) ..

(5) [الأعراف:105] .

(6) تفسير الطبري (9/ 14) .

(7) [طه:47] .

(8) تفسير القرطبي (11/ 203) .

(9) [طه:44] .

(10) تفسير القرطبي (11/ 200) .

(11) [البقرة:83] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت