فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 259

يدعو عليك فيجاب. فقال: وليدع ربه الذي يزعم أنّه أرسله إلينا فيمنعه منّا، أي لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنّه لا حقيقة له، وأنا ربكم الأعلى [1] .

(والظاهر أنّه-لعنه الله تعالى-استيقن أنّه عليه السلام نبي، ولكن كان فيه خب، وكان قتالا سفاكا للدماء في أهون شيء. فكيف لا يقتل من أضعف منه بأنّه الذي يهدد عرشه ويهدم ملكه؟ ولكنّه يخاف إن هم بقتله أن يُعاجل بالهلاك. فقوله:''ذروني أقتل موسى وليدع ربه''كان تمويها على قومه وإيهاما أنهم هم الذين يكفونه، وما كان يكفه إلاّ ما في نفسه من هول الفزع، ويرشد إلى ذلك قوله:''وليدع ربه''،لأنّ ظاهره الإستهانة بموسى عليه السلام بدعائه ربه سبحانه، كما يقال: ادع ناصرك فإني منتقم منك، وباطنه أنّه كان ترعد فرائصه من دعاء موسى ربه، فلهذا تكلم به أول ما تكلم، وأظهر أنّه لا يبالي بدعاء ربه، وما هو إلا كمن قال: ذروني أفعل كذا، وما كان فليكن، وإلاّ فما كان لمن يدعي أنه ربهم الأعلى أن يجعل لما يدعيه موسى عليه السلام وزنا فيتفوه به تهكما أو حقيقة) [2] .

إنّ عقلية القتل والتصفية والاستئصال ظاهرة في وسائل الطغاة والعتاة، فتارة بالنفي والإبعاد وتارة بالسحق والطمس والاجتثاث، سعيا منهم لإبادة صوت الحق الذي يشوش حياتهم ويهدد مصالحهم، ولكنّ الله يأبى إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون.

أراد فرعون أن يستخف موسى وقومه وينفيهم ويزيلهم من الأرض مطلقا بالقتل والاستئصال أو الإبعاد، يقول تعالى:''فأراد أن يستفزهم [3] من الأرض'' [4] .فكان عكس ما تمنّاه، وارتدّ مكره عليه دمارا وبوارا بأن أغرقه الله ومن معه جميعا، يقول تعالى:''فأغرقناه ومن معه جميعا'' [5] .

(وفي هذه الآية تنبيه على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنّه لما خرج موسى فطلبه فرعون هلك فرعون وملك موسى، وكذلك أظهر الله نبيه بعد خروجه من مكة حتى رجع إليها ظاهرا عليها) [6] ،وتلك سنّة الله وإرادته الغالبة،''فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين'' [7] ،فلتطمئنّ قلوب الذين آمنوا وليستبشروا بفرج الله القريب.

(1) انظر: تفسير الطبري (24/ 56) وتفسير البيضاوي (5/ 90) وتفسير ابن كثير (4/ 77) وفتح القدير (4/ 488) وتذكرة الأريب في تفسير الغريب (1/ 130) .

(2) روح المعاني (24/ 92) .

(3) (استفزه من الشيء أخرجه و استفزه ختله حتى ألقاه في مهلكة) لسان العرب، مادة: فزز (5/ 391) .

(4) [الإسراء:103] .

(5) [الإسراء:103] .

(6) زاد المسير (5/ 95) .وانظر: روح المعاني (15/ 2) .

(7) [الصّافات:98] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت