فهرس الكتاب
لم يخطر ببال فرعون أبدا أن يؤمن السحرة بموسى حين قرر أن يستعين بهم لمعارضة ما جاء به موسى من الحق، بل أراد أن يُحرزَ نصرا باهرا يُثْبِتُ به -حسب زعمه-كذب موسى، وأنّه ليس إلاّ ساحرا ماهرا. وبذلك ينتهي الخطر الذي يخشاه على معتقداته الموروثة، وعلى سلطانه في الأرض، تلك هي الدوافع الحقيقة لمهرجان السحرة.
ثمّ بين لحظة وأخرى يُفاجئ فرعون بما لم يخطر له على بال، حيث (كان لهذا الانقلاب المفاجئ وقع الصاعقة على فرعون وملئه. فالجماهير حاشدة. وقد عبأهم عملاء فرعون وهم يحشدونهم لشهود المباراة. عبأوهم بأكذوبة أنّ موسى الإسرائيلي ساحر يريد أن يخرجهم من أرضهم بسحره، ويريد أن يجعل الحكم لقومه، وأنّ السحرة سيغلبونه ويفحمونه .. ثمّ هاهم أولاء يرون السحرة يلقون ما يلقون باسم فرعون وعزته. ثمّ يُغلبون حتى ليقرون بالغلب، ويعترفون بصدق موسى برسالته من عند الله. وهم كانوا منذ لحظة جنوده الذين جاؤوا لخدمته، وانتظروا أجره، واستفتحوا بعزته! وإنّه لانقلاب يتهدد عرش فرعون) [1] .
بدأ فرعون حربه على السحرة-حين آمنوا-بقلب الحقيقة، بل والإسراف بالتهمة، فاعتبرهم تلاميذ متآمرين مع موسى ضد العرش! وضد الشعب المُخدّر! فتلك-بزعمه-مؤامرة تستهدف الجماهير والأمّة، وقال:''إنّ هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها'' [2] ،يريد بذلك حشد النّاس وإقحامهم معه في المعركة الخطيرة. وأتبع ذلك بفرية أخرى في محاولة تعكس الرعب الذي دخل على شخص فرعون بقوله عن موسى:''إنّه لكبيركم الذي علمكم السّحر'' [3] .
ومن العجيب أن يصل الحد بفرعون أن يعدَّ إيمان السحرة استسلاما، فهل يُعاب الإنسان عند استسلامه للحق وخضوعه له؟ ثمّ ازداد غطرسة وعنجهيّة عندما عدَّ إيمانهم خارجا عن القانون، لأنّهم لم يطلبوا الإذن من صاحب الجلالة! وهنا تظهر صفة الفوقية التي تميّزت بها شخصية فرعون [4] ،يقول تعالى حكاية لقول فرعون:''قال آمنتم له قبل أن آذن لكم'' [5] ،فلكي تؤمن لا بد لك من ترخيص وإذن من الطاغوت! وهذا مؤشر على ذوبان المجتمع في شخصية فرعون، وعلى حجم الكارثة التي أدت إلى انعدام إرادة الإختيار أو حتى القدره عليه لدى الجماهير؛ فلولا ذلك لما أبدى فرعون عجبه من هذا التصرف الخارج عن المألوف!
(1) في ظلال القرآن (6/ 208) مع بعض التصرف.
(2) [الأعراف:123] .
(3) [الشعراء:49] .
(4) إنّ فرعون رام ما لا ينبغي له، (فالعظمة والعلو والفوقية معناها استحقاقه تعالى نعوت الجلال وصفات التعالي على وصف الكمال وتقدسه عن مشابهة المخلوقين) التعاريف (1/ 517) .
(5) [الشعراء:49] .