فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 259

لجأ فرعون-حينئذ-إلى ما يلجأ الطواغيت إليه، فجعل يُهددهم بالعذاب الغليظ بعد إفلاسه في الحجة والبرهان، يقول تعالى حكاية لقول فرعون:''فسوف تعلمون لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف [1] ثمّ لأصلبنكم أجمعين'' [2] ،ويقول تعالى:''فلأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمنّ أيّنا أشد عذابا وأبقى'' [3] ،ويقول تعالى:''لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين'' [4] ،والمعنى العام للآيات الكريمات أنّ فرعون حذّرهم عاقبة فعلتهم، وهو تهديد مجمل تفصيله لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف، أي من كل شق طرفا، ويعني هذا قطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس، فيخالف بين العضوين في القطع، ثم يعمد إلى صلبهم وهم أحياء تنزف دماءهم تفضيحا لهم وتنكيلا لأمثالهم، وأكَّدَ ذلك بأجمعين إعلاما منه أنّه غير مستبق منهم أحدا. وخصّ النّخل لطول جذوعها، أي لأجعلنَّكم مثلة ولأقتلنَّكم ولأشهرنَّكم، حيث شبه تمكن المصلوب بالجذع بتمكن المظروف بالظرف المشتمل عليه، للدلالة على إبقائهم عليها زمانا مديدا، وفي هذا إفراط في تعذيبهم، وكان-لعنه الله-أول من صلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف. وإنّما فعل ما فعل لما رأى من خذلان الله إياه وغلبة موسى عليه السلام وقهره له [5] .

إنّ لجوء فرعون إلى هذه الجريمة البشعة يعني عدة أمور، ويَعْنينا في هذا المقام أمران؛ الأول: أنّ أيَّ تهديد حقيقي لعروش الطواغيت يعني حتما مواجهة ساخنة بين الحق وبينهم، ممّا يعني حتما أن نستعد لمثل هذه المنازلة، والتي قد لا تحدث اليوم أو غدا ولكنّها حادثة لا محالة في مستقبل الأيام، فالطاغوت أيّا كان لا يستسلم بسهولة لدعوة الحق، فلا بدّ إذن من أن تراق الدماء الزّكية في سبيل الله. الثاني: أنّ الطاغوت عندما يلجأ إلى القتل والاستئصال إنّما يفعل هذا لهدف قريب هو القضاء على العصبة المؤمنة أولا، ثمّ لتحقيق هدف بعيد، وهو زرع الرعب في قلوب النّاس كي لا تُحدثهم نفوسهم بالخروج عن السلطان! أي يريد أن ينزع من ذاكرة الجماهير معاني التمرد والثورة.

ولنا في نهاية المأساة أن نقرر أنّ وجودنا في دائرة الخصومة مع الطاغوت يعني حالة صحية في الجماعة المسلمة، وأنّ التعايش معه بهدوء يعني حالة مَرَضية في الجماعة المسلمة توجب علينا البحث عن الخلل؛ ذلك أنّ الحق لا يتعايش مع الباطل.

(1) (الخلاف المخالفة أي يده اليمنى ورجله اليسرى يخالف بين قطعهما) التبيان في تفسير غريب القرآن (1/ 182) .

(2) [الأعراف:124] .

(3) [طه:71] .

(4) [الشعراء:49] .

(5) انظر: تفسير القرطبي (7/ 261) وتفسير البيضاوي (3/ 49،61) وتفسير أبي السعود (3/ 261) وفتح القدير (2/ 234) وزاد المسير (3/ 243) وتفسير النسفي (2/ 30) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت