مشارق الأرض ومغاربها لدليل واضح على غفلتهم وعدم انتفاعهم بما حدث لفرعون وغيره من الطغاة والبغاة.
تلك هي الحكمة من وجود فرعون وأمثاله من الطواغيت، وذلك هو قضاء الله وقدره في خلقه وله الحكمة البالغة، فالحياة دار بلاء وامتحان واختبار حيث (أراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنة لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر) [2] ،وعلى هذا الأساس نفهم الحياة الدنيا، فهي صراع بين الحق والباطل، ومن أسقط تلك الحقيقة من تصوره للحياة فقد أخطأ الفهم الصحيح وضل.
إنّ فرعون لعنه الله وأمثاله امتحان من الله للبشرية،''ولوشاء الله لآمن من في الأرض كلهم جميعا'' [3] ،ولكنّه سبحانه جعل الإيمان اختيارا، وألهم النّفس فجورها وتقواها''قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها'' [4] . (ولا يهمنا أن نستقصي أصول هذه النّزعات السيئة من النّاحية التاريخية، لنعرف أهي طارئة على فطرة الإنسان، أم مخلوقة معها، وإنّما يهمنا أن هذه وتلك موجودتان في الإنسان، تتنازعان قِيادَه، ومصيره معلق بالنّاحية التي يستسلم لها) [5] ،ومن خلال هذا الفهم نستطيع أن نفهم أحد أهم المحركات الإنسانية على مدار التاريخ.
وقد يتذرع العصاة والفجرة بالقدر، يقول تعالى:''سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شيء'' [6] ،فهذه دعواهم، ولقد أجاب القرآن عليها،''كذلك كذّب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا، قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا، إن تتّبعون إلاّ الظنّ وإن أنتم إلاّ تخرصون'' [7] ، أي (هل عندكم دليل صحيح بعد من العلم النافع فتخرجوه إلينا لننظر فيه ونتدبره والمقصود من هذا التبكيت لهم لأنه قد علم أنه لا علم عندهم يصلح للحجة ويقوم به البرهان ثم أوضح لهم أنهم ليسوا على شيء من العلم وأنهم إنما يتبعون الظنون أي ما يتبعون إلا الظن الذى هو محل الخطأ ومكان الجهل وإن أنتم إلا تخرصون أي تتوهمون مجرد توهم فقط كما يتوهم الخارص) [8] ،فنحن لم نُكلّف بمعرفة قدر الله، فلننشغل بما كُلفنا به من أوامر ونواه معلومة متيقنة، وندع ما لم نُكلف به.
(1) [الفرقان:20] .
(2) تفسير القرطبي (13/ 18) .
(3) [يونس:99] .
(4) [الشمس:9 - 10] .
(5) محمد الغزالي، خلق المسلم، ط 3،دار الدعوة، الأسكندرية،1411 هـ-1990 م. (27) .
(6) [الأنعام:148] .
(7) [الأنعام:148] .
(8) فتح القدير (2/ 175) .