فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 259

واستكبارهم وطغيانهم وعصيانهم وجرائمهم ... يقول تعالى:''إنّ ربك لبالمرصاد'' [1] ،لا يفوته شيء من أعمال العباد، فمرجع الخلق إلى حكمه وإليه مصيرهم [2] .فهل حذر الناس من التهاون في أمر الله؟ أين انتفاش فرعون وسطوته حين أدركه الغرق، وأحس ببأس الله؟ لقد أعلن الإستسلام في ساعة لا ينفع بها إيمان.

ولمّا أغضبوا الله بالإفراط بالعناد والمعصية كانت سنّة الله التي مضت [3] ،فهو يمهل ولا يُهمل. يقول تعالى:''فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين'' [4] ،أي جعلناهم متقدمين في الهلاك ليتعظ ويعتبر بهم من بعدهم من الطواغيت إلى يوم القيامة [5] .لقد (ذهب هؤلاء الطغاة الذين كانوا ملئ الأعين والنفوس في هذه الأرض، ذهبوا فلم ييأس على ذهابهم أحد، ولم تشعر بهم سماء ولا أرض، ولم يُنظروا أو يُؤجلوا عندما حل الميعاد:''فما بكت عليهم السماء والأرض [6] وما كانوا منظرين'' [7] ،وهو تعبير يلقي ظلال الهوان، كما يلقي ظلال الجفاء .. فهؤلاء الطغاة المتعالون لم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء. ولم يأسف عليهم أحد في أرض ولا سماء) [8] .

إنّ في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين لعبرة للناس ونجاة لهم في دينهم ودنياهم، ومع هذا ما آمن أكثر الناس [9] .يقول تعالى:''إنّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين'' [10] ،لذلك لم تنفعهم تلك المواعظ البليغة؛ فلم يتنبه لها أكثر الأولين، كما لم يتنبه لها أكثر الآخرين، يقول تعالى:''فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإنّ كثيرا من النّاس عن آياتنا لغافلون'' [11] ؛فهذا التطاول والتفاخر والاستعلاء من قبل الطواغيت وأعوانهم في

(1) [الفجر:14] .

(2) انظر: تفسير البغوي (4/ 484) .

(3) انظر: تفسير البيضاوي (5/ 149) .

(4) [الزخرف:55 - 56] .

(5) انظر: تفسير الثعالبي (4/ 130) .

(6) (يراد بعدم البكاء عدم الاكتراث بهلاكهم ولا الاعتداد بوجودهم وقد كثر في التعظيم لمهلك الشخص بكت عليه السماء والأرض بكته الريح ونحو ذلك وفي التفسير شواهد كثيرة من شعر العرب عليه ومن أثبت كالصوفية للأجرام السماوية والأرضية وسائر الجمادات شعورا لائقا بحالها لم يحتج إلى اعتبار المجاز وأثبت بكاء حقيقيا لها بحسب ما تقتضيه ذاتها ويليق بها أو أوله بالحزن أو نحوه أو أثبته لها بحسب ذلك أيضا) الألوسي: أبو المعالي، محمود شكري بن عبدالله بن شهاب الدين، (1273 - 1342 هـ) ،ما دل عليه القرآن مما يضد الهيئة القويمة، جزء واحد، ط 2،المكتب الإسلامي، بيروت،1971 م. (1/ 129) .

(7) [الدخان:29] .

(8) في ظلال القرآن (7/ 368) .

(9) تفسير ابن كثير (3/ 338) .

(10) [الشعراء:67] .

(11) [يونس:92] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت