امرأتين تذودان'' [1] .أي (تكفكفان غنمهما أن ترد غنم أولئك الرعاء لئلا يؤذيا، فلمّا رآهما موسى عليه السلام رق لهما ورحمهما) [2] وهو (مشهد لا تستريح إليه النفس ذات المروءة، السليمة الفطرة، كنفس موسى عليه السلام، حين وجد الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء، ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء. والأولى عند ذوى المروءة والفطرة السليمة، أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامها أولا، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما) [3] .
إنّ الإنشغال باللذة العاجلة والجاه الكاذب والمصالح الفانية عن القيام بالواجب ونصرة الحق نقضٌ للمروءة وقتل لها، حيث لم يعُد للفرد همٌ سوى نفسه-إلاّ من رحم ربي-،فهو منشغل بتوفير المتاع لها والراحة، وإذا طلب الإنسان من نفسه القيام بالواجب وجدها عاجزة ضعيفة ثقيلة. والعجيب أنّ الكلَّ يقول'يجب'! ولكن على من'يجب'؟ إنّه واقع مرُّ أن ترى الأعراض تُستباح والبيوت تُهدم والعدو يُعربد .. ثمّ لا تجد من يُنجدك. فغالبية الأمّة تخلت عن واجبها في نصرة المظلوم. أين الأغنياء وأصحاب الملايين من شعوب تُقهر وتُجوَّع؟ أين الرُّتب العسكرية وهم ينظرون إلى المستضعفين يُسحقون بآلة العدو سحقا؟ لمن هذه الجيوش عُدت؟ ونحن نسأل: هل هؤلاء يُقاوَمُ بهم فرعون؟ هل هذه عُدتنا للمواجهة مع أشرس عدو وأخبث ملّة؟!
المروءة ليست مراهقة بل هي المُحرّك نحو القيام بواجب النّصرة والعون والإنقاذ (حتى لا تبقى فينا عين تطرف، وهي بذل المال حتى لا يبقى لأحد درهم. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والقدرة والعدد) [4] .يقول صلى الله عليه وسلم''من قُتل دون ماله فهو شهيد'' [5] ،فكيف بمن يموت دون أمته وثروتها وعزتها وكرامتها؟
أراد الله أن يكون المُكلَّف في مواجهة فرعون قويا قادرا على تنفيذ ما أُمر به، أمينا مؤد للتكليف؛ فالقوة والأمانة صفتان متلازمتان لحمل الدعوة والتكليف، فالأمين الضعيف عاجز يُقْعِدُه العجز عن المواجهة والتحدي، ولهذا كان''المؤمن القوي خير وأحب إلي الله من المؤمن الضعيف'' [6] .فالتكاليف الشرعية شاقة تحتاج إلى أخذها بقوة وخصوصا عند مَن يكون في مركز القيادة، وهو معنى قوله تعالى:''يا يحيى خذ الكتاب بقوة'' [7] ،أي بجد وحرص واجتهاد، وذلك
(1) [القصص:23] .
(2) تفسير ابن كثير (3/ 384) .
(3) في ظلال القرآن (6/ 335) .
(4) تفسير القرطبي (8/ 57) مع بعض التصرف.
(5) صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب من قاتل دون ماله (2/ 877) رقم (2348) .
(6) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والإستعانة بالله وتفويض المقادير لله (4/ 2052) رقم (2664) .
(7) [مريم:12] .