فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 259

لمجرد هاجس أو حلم أو اقتراح لحرب إستباقية تحدّث بها بعض سمّاره شنّ فرعون حملة ذبح لا هوادة فيها على شعب بأكمله! فكانت تلك هي المرحلة الأولى من القتل والذبح من قبل أن يُبعث موسى عليه السلام، ثمّ تلتها مرحلة أخرى من القتل، ودليل ذلك قوله تعالى:''فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلاّ في ضلال'' [1] . (إنّ هذا الأمر بقتل أبناء الذين آمنوا مع موسى واستحياء نسائهم كان أمرا من فرعون وملئه من بعد الأمر الأول الذي كان من فرعون قبل مولد موسى) [2] .ويؤيّد هذا ما جاء في جواب فرعون للملأ عندما قالوا له:''أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك'' [3] .حيث اعتبر الملأ دعوة موسى إلى الله إفساد يضر بفرعون وبمنظومته القيمية الباطلة، فردّ عليهم بقوله:''سنُقتّل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنّا فوقهم [4] قاهرون'' [5] . (وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكّل بهم قبل ولادة موسى عليه السلام حذرا من وجوده، فكان خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون. وهكذا عومل في صنيعه أيضا لما أراد إذلال بني إسرائيل وقهرهم، فجاء الأمر على خلاف ما أراد، أعزهم الله وأذله وأرغم أنفه وأغرقه وجنوده) [6] ،وهذا معنى قوله تعالى:''وما كيد الكافرين إلا في ضلال [7] '' [8] ،أي وما مكرهم إلاّ في خسران وهلاك، والمعنى أنّ قصدهم-الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا يُنصروا عليهم-ذاهب وهالك في ضياع وخسران، لأنّ احتيال أهل الكفر لأهل الإيمان بالله جور عن سبيل الحق، وصد عن قصد المحجة، وأخذ على غير هدى [9] ، (ووضع الظاهر فيه موضع الضمير لتعميم الحكم والدلالة على العلة) [10] ،وفي هذا غاية البلاغة والبيان، فليس كيد فرعون وحده في ضلال بل كيد الكافرين كلهم إلى قيام الساعة في ضياع، وفيه أيضا تثبيت للمؤمنين في كل مرة يواجهون فيها شخصية كشخصية فرعون، فقد قضى الله أن يجعل كيدهم في تضليل.

(1) [غافر:25] .

(2) تفسير الطبري (24/ 56) .

(3) [الأعراف:127] .

(4) أراد بالفوقية-لعنه الله-العلو المعنوي وليس العلو المكاني. انظر: اتقان ما يحسن من الأخبار (2/ 19) .

(5) [الأعراف:127] .

(6) تفسير ابن كثير (2/ 240) .

(7) (الضلال والضلالة ضد الهدى والرشاد) لسان العرب، مادة: ضلل (11/ 390) .

(8) [غافر:25] .

(9) انظر: تفسير ابن كثير (4/ 77) وتفسير الطبري (24/ 56) .

(10) تفسير البيضاوي (5/ 89) .وانظر: تفسير أبي السعود (7/ 273) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت