يتشاورون بسببك، وإنّما سمي التشاور ائتمار لأنّ كلا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر ليقتلوك، فاخرج من المدينة قبل أن يظفروا بك إنّي لك من النّاصحين) [1] .
ومن مظاهر مشاركتهم ومساندتهم لفرعون ترديدهم لكلامه وتبنِّيهم لمواقفه وسيرهم على نهجه، فهم مستقرون حول فرعون-في مشهد يوحي بمدى قربهم منه وملاصقتهم له-يستمعون لخطابه في معرض ردّه على موسى عليه السلام، حيث يقول لهم:''إنّ هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون'' [2] ،وقصد-لعنه الله-تنفيرهم عن موسى عليه السلام بتذكيرهم بسلطانهم وملكهم المهدد على يديه، من خلال نسبة الإخراج من الأرض إليهم [3] .إنّه يُحرِّضهم ويُحرِّضونه-كما سيأتي قريبا-،فكأنّهم تواصوا به، فيوصي بعضهم بعضا، فالمشاعر متجانسة والمصالح متشابكة وهم في سلة واحدة، فمصيرهم واحد، وجميعهم من موسى حذرون!
وسرعان ما وافقوه وقالوا كمقالته، فلكل طاغية أبواق تنعق بما تعلم ولا تعلم، يشاركون في التزوير والتضليل دعاة على أبواب جهنّم [4] ،يقول تعالى:''قال الملأ من قوم فرعون [5] إنّ هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون [6] '' [7] .فتشاوروا (كيف يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته وظهور كذبه وافترائه، وتخوفوا أن يستميل الناس بسحره-فيما يعتقدونه-فيكون ذلك سببا لظهوره عليهم وإخراجه إياهم من أرضهم، والذي خافوا منه وقعوا فيه، كما قال تعالى:''ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون'' [8] .فلما تشاوروا في شأنه وائتمروا فيه اتفق رأيهم على ماحكاه الله تعالى عنهم في قوله تعالى:''قالوا أرجه
(1) روح المعاني (20/ 58) .
(2) [الشعراء:34 - 35] .
(3) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 237) وتفسير أبي السعود (6/ 241) .
(4) روى البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول:''ثم كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت يا رسول الله: صفهم لنا. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: الزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فان لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك''صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة (6/ 2595) رقم (6673) .
(5) (إنّ هذا الكلام قاله فرعون والملأ من قومه فهو كوقع الحافر على الحافر فنقل في الشعراء كلامه وهنا كلامهم. أو أنّ هذا الكلام قاله فرعون ابتداء ثم قاله الملأ إما بطريق الحكاية لأولادهم وغيرهم وإما بطريق التبليغ لسائر الناس فما في الشعراء كلام فرعون ابتداء وما هنا كلام الملأ نقلا عنه) روح المعاني (9/ 22) .
(6) (فماذا تأمرون الظاهر أنه من كلام الملأ بعضهم لبعض وقيل انه من كلام فرعون) تفسير الثعالبي (2/ 42) .
(7) [الأعراف:109 - 110] .
(8) [القصص:6] .