وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين، يأتوك بكل ساحر عليم'' [1] [2] .وفي قوله:''قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين، يأتوك بكل سحّار عليم'' [3] ،فهم حوله يستشيرهم فلا يبخلون عليه بالمشورة.
وقام الملأ بدور التحريض، ممّا يدلّ على شدة حرصهم على النّظام القائم، فمصيرهم مرتبط بمصير فرعون، أو كما قيل: إنّهم في قارب واحد. وهودور خطير يلقي الضوء على سبب مهم من أسباب ظهور شخصية فرعون. يقول تعالى:''وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك'' [4] .أي تدعهم ليفسدوا في الأرض بتغيير النّاس عليك ودعوتهم إلى مخالفتك وعبادة ربهم دونك، فتحدث الفرقة وتشتيت الشمل، ويفسدوا عليك خدمك وعبيدك، فيحدث الفساد الديني والدنيوي، فصار هؤلاء يشفقون على إفساد موسى وقومه [5] !
فالإفساد في الأرض -من وجهة نظرهم- (هو الدعوة إلى ربوبية الله وحده، حيث يترتب عليها تلقائيا بطلان شرعية حكم فرعون ونظامه كله. إذ إنّ هذا النظام قائم على أساس حاكمية فرعون لأمره -أو بتعبير مرادف على أساس ربوبية فرعون لقومه- وإذن فهو- بزعمهم-الإفساد في الأرض، بقلب نظام الحكم، وتغيير الأوضاع القائمة على ربوبية البشر للبشر، وإنشاء وضع آخر مخالف تماما لهذه الأوضاع، الربوبية فيه لله لا للبشر. ومن ثمّ قرنوا الإفساد في الأرض بترك موسى وقومه لفرعون ولآلهته التي يعبدها هو وقومه) [6] ؛ذلك لأنّ تلك الآلهة هي الغطاء التي يعيش تحته الملأ، ومنه يستمدون قدسيتهم وهيبتهم ومراكزهم .. وإلاّ فهم يدركون أكثر من غيرهم أنّها لا تضر ولا تنفع، ولكنّها الوسيلة الموصلة إلى أهدافهم وغاياتهم، بينما هم يعبدون في الحقيقة مصالحهم ومكتسباتهم، وتلك هي الجاهلية في أخس مظاهرها حيث أصبح الرب شعارا عندهم، ووسيلة للتغطية على معبودهم المرفوض أمام الجماهير، وتلك هي العلة الكامنة وراء الفرق الشاسع بين شعارات الحكومة وواقع الحياة المُعاش.
إنّ اللجوء إلى قلب الحقائق سياسة مُتَّبعة عند كلّ الطواغيت ومعاونيهم وبطاناتهم، مع إدراكهم لفساد مناهجهم وتصوّراتهم إلاّ أنّهم يزوّرون الحقائق اتباعا للهوى، يقول تعالى:''أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا'' [7] .فلا عجب من إضمارهم الكذب وإصرارهم عليه؛ ذلك بأنّهم اتخذوا الهوى إلها، فانفلتوا من كل القيم والأخلاق.
(1) [الأعراف:111 - 112] .
(2) تفسير ابن كثير (4/ 237) .
(3) [الشعراء:36 - 37] .
(4) [الأعراف:137] .
(5) انظر: تفسير الطبري (9/ 24) وتفسير الواحدي (1/ 408) وتفسير القرطبي (7/ 261) وفتح القدير (2/ 235) وروح المعاني (9/ 28) .
(6) في ظلال القرآن (3/ 310 - 311) .
(7) [الفرقان:43] .