فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 259

أولا: الكبر والمحافظة على الموروث والحرص على الرياسة الدنيوية، حيث لم يُخفِ الملأ علّتهم حيث قالوا:''أجئتنا لتلفتنا [1] عمّا وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين'' [2] .أي أجئتنا لتلفتنا أي تثنينا وتصرفنا وتلوينا وتردنا عمّا وجدنا عليه آباءنا، أي الدين الذي كانوا عليه من عبادة الأصنام أو عبادة فرعون. وتكون لكما أي لك ولهارون الكبرياء في الأرض، أي العظمة والرياسة والعز والسلطان والملك فيها، لأنّ الملوك موصوفون بالكبر والعظمة والعلو .. فما نحن لكما بمصدقين فيما جئتما به [3] .

(وفي هذا ما يدل على أنهم انقطعوا عن الدليل وعجزوا عن إبراز الحجة، ولم يجدوا ما يجيبون به عما أورده عليهم، بل لجئوا إلى ما يلجأ إليه أهل الجهل والبلادة وهو الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم من الكفر، وضموا إلى ذلك ما هو غرضهم وغاية مطلبهم وسبب مكابرتهم للحق وجحودهم للآيات البينة وهو الرياسة الدنيوية التى خافوا عليها، وظنوا أنها ستذهب عنهم إن آمنوا .. والحاصل أنّهم علّلوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد للآباء، والحرص على الرياسة الدنيوية، لأنّهم إذا أجابوا النّبي وصدقوه صارت مقاليد أمر أمته إليه، ولم يبق للملك رئاسة تامة، لأنّ التدبير للناس بالدين يرفع تدبير الملوك لهم بالسياسات والعادات. ثم قالوا وما نحن لكما بمؤمنين تصريحا منهم بالتكذيب وقطعا للطمع في إيمانهم) [4] .

لقد أظهر الملأ أغراضهم وغاياتهم، فقد قالوها صريحة فيما بينهم:''أنؤمن لبشرين مثلنا [5] وقومهما لنا عابدون، فكذبوهما فكانوا من المهلكين'' [6] .والمعنى لا نؤمن لبشرين مثلنا فنتبعهما وقومهما-يعني بني إسرائيل-لنا عابدون خادمون منقادون مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان الملك عابدا له [7] ، (وكأنهم قصدوا بذلك التعريض

(1) (اللفت الصرف، يقال: ما لفتك عن فلان أي ما صرفك عنه، واللفت لي الشيء عن جهته كما تقبض على عنق إنسان فتلفته) لسان العرب، مادة: لفت (2/ 84 - 85) .ومعنى (لتلفتنا لتصرفنا والالتفات الانصراف) التبيان في تفسير غريب القرآن (1/ 232) .

(2) [يونس:78] .

(3) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 427) وتفسير الثعالبي (2/ 187) وتفسير ابي السعود (4/ 169) وتفسير الواحدي (1/ 505) وتفسير البغوي (2/ 363) .

(4) فتح القدير (2/ 465) مع بعض التصرف.

(5) (إنّ قصارى شبه المنكرين للنبوة قياس حال الأنبياء على أحوالهم لما بينهم من المماثلة في الحقيقة، وفساده يظهر للمستبصر بأدنى تأمل، فإن النفوس البشرية وإن تشاركت في أصل القوى والإدراك لكنها متباينة الأقدام فيهما .. فالأنبياء أغنياء عن التفكر والتعلم في أكثر الأشياء وأغلب الأحوال، فيدركون ما لا يدرك غيرهم ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم، وإليه أشار بقوله تعالى:''قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد'' [الكهف:110] ) تفسير البيضاوي (4/ 156 - 157) مع بعض التصرف. وانظر: روح المعاني (18/ 36) .

(6) [المؤمنون:47 - 48] .

(7) انظر: تفسير الطبري (18/ 25) وتفسير البغوي (3/ 310) وفتح القدير (3/ 485) وتفسير النسفي (3/ 123) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت