تعالى:''إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا'' [1] ، (إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد مقتضى الشهوات وهذا قد خلق له وعطله) [2] ،فليس هناك فارق بين الإنسان والبهيمة غير النّظر والتدبر والفكر! يقول تعالى:''ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون'' [3] ، (فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة) [4] ،وتلك هي النوعية التي يعيش معها الطواغيت؛ جماهير فارغة لا تدري أنّها لا تدري! وتلك علة كبرى.
وفي حال الضلال يكون العقل أسيرا لخرافات [5] تضر ولا تنفع كالسحر والكهانة وغيرها، ولهذا كانت دعوة الأنبياء في جوهرها تحرير للعقل من أن يكون أسيرا للخرافات والخزعبلات، حيث دعى الأنبياء إلى النّظر والتفكر في الكون والحياة؛ ذلك أنّ الحق لا يخشى التفكير والحجة والبرهان بل هو يقوم على ذلك، فدعوة أهل الحق النّاس للتفكير والنّظر تنسجم مع حقهم الذي يحملون، على عكس الجاهلية والطاغوت فإنّه يخشى يقظة النّاس لأنّها تكشف زيفه وباطله.
لقد ظهرت آثار التيه والضياع وانعدام القدرة على التمييز على الجماهير في ظلّ شخصية فرعون، وليس أدلّ على هذا من طاعتهم لفرعون رغبا ورهبا في افترائه وزعمه للألوهية والربوبية، فإنّه لا يمكن لفرعون ولا لغيره أن يفكر مجرد تفكير في طرح هذه الفرية لولا أن رأى من قومه القابلية للقبول أو السكوت في أسوأ تقدير. ولا شك في أنّ قوما تابعوا فرعون على فريته الكبرى وكذّبوا موسى عليه السلام بعد أن عاينوا الحق الساطع على يديه لهم أجهل الخلق وأحمق النّاس وأسفههم.
ثمّ وصل بهم الشلل الفكري وانعدام النظر أن شَكُّوا في موت فرعون؛ وذلك بسبب ما تعرّض له بنو إسرائيل في ظلّ فرعون حيث دخل في نفوسهم من عظمته ما خُيّل إليهم أنّه لا يهلك؛ ذلك أنّهم كذبوا موسى صلى الله عليه وسلم حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه جثة هامدة على الساحل، حيث أمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سويا بلا روح وعليه درعه المعروفة على نجوة من الأرض-وهو المكان المرتفع-ليتحققوا موته وهلاكه [6] ،ولم يكن هذا التصور وهذا الاعتقاد إلا نتيجة لجهلهم وسفاهة عقولهم وفساد عقائدهم، يقول تعالى:''وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون'' [7] .والشاهد في الآية قوله تعالى:''وأنتم تنظرون''،وذلك (أنّ الله تعالى
(1) [الفرقان:44] .
(2) فيض القدير (1/ 214) .
(3) [الأعراف:179] .
(4) تفسير ابن كثير (4/ 24) .
(5) الخرافة من الفعل خرف، و (خَرِفَ الرجل فسد عقله من الكبر) ،لسان العرب، مادة: خرف (9/ 62) .
(6) انظر: تفسير ابن كثير (2/ 432) ومعاني القرآن (3/ 315) وتفسير النسفي (2/ 141) وروح المعاني (11/ 184) .
(7) [البقرة:50] .