فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 259

من ربك'' [1] ،لغاية عتوه ونهاية طغيانه بل أضافه إليهما) [2] .قال موسى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثمّ هدى'' [3] أي (الذي أعطى كل شيء من الأنواع خلقه صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له، أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به .. أي أعطى كل مخلوق ما يصلحه. ثمّ عرّفه كيف يرتفق بما أُعطي، وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختيارا أو طبعا. وهو جواب في غاية البلاغة لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها، ودلالته على أنّ الغني القادر بالذات المنعم على الإطلاق هو الله تعالى، وأنّ جميع ماعداه مفتقر إليه منعم عليه في حد ذاته وصفاته وأفعاله) [4] .

و (لما شاهد اللعين مانظمه موسى عليه الصلاة والسلام في سلك الاستدلال من البرهان النير على الطراز الرائع خاف أن يظهر للناس أحقية مقالاته عليه الصلاة والسلام وبطلان خرافات نفسه ظهورا بيّنا، فأراد أن يصرفه عليه الصلاة والسلام عن سننه إلى مالا يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها بالرسالة من الحكايات، ويشغله عما هو بصدده عسى أن يظهر فيه نوع غفلة؛ فيتسلق بذلك إلى أن يدعى بين يدي قومه نوع معرفة) [5] ،فقال:''فما بال القرون الأولى'' [6] ، (ذلك أنّ فرعون لمّا أخبره موسى بأنّ ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى شرع يحتج بالقرون الأولى، أي الذين لم يعبدوا الله، أي فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره) [7] ،فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة؟ قال موسى:''علمها عند ربي'' [8] ،أي هو غيب لا يعلمه إلا هو، وإنّما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به في كتاب مثبت في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون تمثيلا لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة، ويؤيده قوله:''في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى'' [9] ،والضلال أن تخطئ الشيء في مكانه فلم تهتد إليه، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على العالم بالذات، ويجوز أن يكون سؤاله دخلا على إحاطة قدرة الله تعالى [10] .

(1) [طه:47] .

(2) تفسير أبي السعود (6/ 19) .

(3) [طه:49 - 50] .

(4) تفسير البيضاوي (4/ 54) مع بعض التصرف.

(5) تفسير أبي السعود (6/ 20) .

(6) [طه:51] .

(7) تفسير ابن كثير (3/ 156) .

(8) [طه:52] .

(9) [طه:52] .

(10) انظر: تفسير البيضاوي (4/ 54) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت