فهرس الكتاب
ولمّا كانت الإستقامة أصلا وأساسا لنجاح الدعوات وانتصار المنهج الحق أمر الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى:''فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنّه بما تعملون بصير'' [1] .،أي (فاستقم أنت يا محمد على أمر ربك والدين الذي ابتعثك به، والدعاء إليه كما أمرك ربك، ومن تاب معك أي ومن رجع معك إلى طاعة الله، والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره، ولا تطغوا يقول ولا تعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه إنه بما تعملون بصير) [2] .
إنّه أمر عظيم (أحس-عليه الصلاة والسلام-برهبته وقوته حتى روي عنه أنه قال مشيرا إليه:''شيبتني هود'' [3] .فالاستقامة: الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف. وهو في حاجة إلى اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم، والتحري الدائم لحدود الطريق، وضبط الإنفعالات البشرية التي تميل الإتجاه قليلا أو كثيرا .. ومن ثم فهي شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة.) [4] .
لقد تكرر الأمر بالإستقامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:''واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم'' [5] ،أي (واستقم على الدعوة كما أمرك الله تعالى ولا تتبع أهواءهم الباطلة) [6] ،وهو أمر ثقيل لأنّ المطلوب هو التزام جميع الطاعات والتكاليف، وعدم اتباع الهوى لأنّ اتباع الهوى يُضلُّ عن سبيل الله.
إنّ استقامة الداعية على المنهج الذي يدعو إليه وثباته وعدم تردده يعكس مدى إيمانه بما يدعو إليه، وهو شرط-أي إيمانه بما يدعو إليه-لا بدّ منه لنجاح دعوته، إذ كيف يمكن له أن يدعو إلى أمر هو لايلتزم به ولا يستقيم عليه؟! وبالتالي لا تتجاوب الجماهير مع دعوة لا تظهر آثارها على صاحبها. وفي المقابل فإنّ الإستقامة على المنهج رغم صروف الأيّام وتقلبات الزمن يُدخل في قلوب النّاس حقيقة مفادها: إنّ استمراره وثباته واستقامته تعني أنّه أدرك الحق والحقيقة معا.
وهذا ما نفهمه من قوله تعالى:''إنّ الذين قالوا ربنا الله ثمّ استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون'' [7] .أي إنّ الذين قالوا ربنا الله (اعترافا بربوبيته تعالى وإقرارا بوحدانيته ثم استقاموا، أي ثبتوا على الإقرار ومقتضياته، على أنّ 'ثم' للتراخي
(1) [هود:112] .
(2) تفسير الطبري (12/ 126) .وانظر: تفسير ابي السعود (4/ 244) وتفسير الواحدي (1/ 535) وتفسير البغوي (2/ 404) .
(3) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ومن سورة الواقعة (5/ 402) رقم (3297) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. المستدرك على الصحيحين، كتاب التفسير، تفسير سورة هود (2/ 374) رقم (3314) ، مسند أبي يعلى (1/ 102) رقم (107) ،المعجم الكبير (6/ 148) رقم (5804) .قال الهيثمي: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) ،مجمع الزوائد، كتاب التفسير، باب سورة هود (7/ 37) ،
(4) في ظلال القرآن (4/ 630) .
(5) [الشورى:15] .
(6) تفسير البيضاوي (5/ 125) .وانظر: تفسير ابن كثير (4/ 110) .
(7) [فصلت:30] .