يحتاج إدراك وجه إعجازه إلى العلم بقواعد العلوم، فينبلج للناس شيئًا فشيئًا انبلاج أضواء الفجر على حسب مبالغ الفهوم، وتطورات العلم، وكِلا القسمين دليل على أنه من عند الله، لأنه جاء به أميٌ في موضع لم يعالج أهله دقائق العلوم" [1] إلى أن يقول:"وهذه الجهة من الإعجاز إنما تثبت للقرآن بمجموعه - أي مجموع هذا الكتاب - إذ ليست كل آية من آياته، ولا كل سورة من سوره بمشتملة على هذا النوع من الإعجاز، ولذلك فهو إعجاز حاصل من القرآن، وغير حاصل به التحدي إلاّ إشارة نحو قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} (النساء: 82 (، وإعجازه من هذه الجهة للعرب ظاهر، إذ لا قِبَلَ لهم بتلك العلوم وإعجازه لعامة الناس أن تجيء تلك العلوم من رجل نشأ أميًّا في قومٍ أميّين" [2] ."
الذي يظهر من خلال ما تم عرضه في هذا البحث، لرأي المعارضين لفكرة الاستعانة بالعلوم الكونية في تفسير القرآن الكريم، والمؤيدين لتلك الفكرة والمؤيدين لها، أن هناك من تجاوز حد الإنكار للتفسير العلمي، وكأنه اعتبر أن فهم القرآن ما أنزل إلا لمن عاصروا وقائع التنزيل، دون غيرهم ويأتي ذلك من خلال ما تم عرضه من نصوص أُثرت عنهم، يترتب عليها تلك النتيجة، كما ظهر من خلال البحث أن هناك من أفرط في الاستعانة بتلك العلوم، ومباحثها وجزئياتها ولم يتركوا صغيرة أو كبيرة حتى عُد ذلك من قبيل التكلف في التفسير، وتحميل الآيات ما لا تحتمله، كما ظهر أن
(1) ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر: التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور، 1/ 127.
(2) المصدر السابق باختصار وتصرف.