سأكتفي بذكر أشهر المؤيدين لتفسير القرآن بالمكتشفات العلمية، والمسوغات التي دعتهم لاتخاذ ذلك الموقف، ثم أعقبه ببيان الرأي الراجح بعد بيان موقف المؤيدين.
أولًا: رأي الإمام الغزالي: - رحمه الله:
وهو من قدامى العلماء الذين أيدوا فكرة الاستعانة بالعلوم والمعارف المختلفة في تفسير القرآن، فهو يرى أن القرآن الكريم حوى الآلاف من المعارف والعلوم فيقول:"قال علي [1] كرم الله وجهه: لو شئت لأوقرت سبعين بعيرًا من سورة فاتحة الكتاب"وقال أبو الدرداء [2] - رضي الله عنه:"لا يفقه الرجل حتى يجعل للقرآن وجوهًا"وقد قال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، وما بقي من فهمها أكثر. وقال آخرون: القرآن يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتي علم، إذ كل كلمةٍ علم، ثم يتضاعف ذلك أربعة أضعاف، إذ لكل كلمة ظاهر وباطن وحد ومطلع، وقد اعتمدوا في ذلك على حديث النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا وحدًا ومطلعًا" [3] . وقال
(1) علي بن أبي طالب الهاشمي _ بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الحسن أول الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم. ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فربّي في حجر النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولم يفارقه، وشهد معه المشاهد إلا غزوة تبوك وزوّجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته فاطمة وكان اللواء بيده في أكثر المشاهد، ولما آخى النبيّ صلى اللَّه عليه وسلّم بين أصحابه قال له: أنت أخي ومناقبه كثيرة حتى قال الإمام أحمد: لم ينقل لأحد من الصحابة ما نقل لعلي بويع بعد قتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومدة خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر، قتل _ في ليلة السابع عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة. ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد، الإصابة في تمييز الصحابة 4/ 460، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية -بيروت ط 1، 1415 م.
(2) أبو الدرداء صحابي جليل مشهور بكنيته وباسمه جميعا واختلف في اسمه، فقيل هو عامر، وعويمر واختلف في اسم أبيه، فقيل: عامر أو مالك، أو ثعلبة، أو عبد اللَّه، أو زيد، وأبوه ابن قيس بن أمية بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أسلم يوم بدر، وشهد أحدا وأبلى فيها ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر مات أبو الدرداء وكعب الأحبار لسنتين بقيتا من خلافة عثمان. وقال وجماعه مات سنة اثنتين وثلاثين. وقال ابن عبد البر إنه مات بعد صفّين. والأصح عند أصحاب الحديث أنه مات في خلافة عثمان. ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد، الإصابة في تمييز الصحابة 4/ 621.
(3) لم يثبت بهذا اللفظ ولكن جاء بلفظ آخر"أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن وحد ومطلع"أخرجه أبو يعلى في مسنده باب مسند عبد الله بن مسعود برقم (5149) ورقم (5403) من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود وقال صحيح على شرط مسلم، دار المأمون للتراث - دمشق، ط 1، 1987، 9/ 81 - 82. والطحاوي في شرح مشكل الآثار باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آيةٍ منها ظهر وبطن"برقم (3077) و (3095) من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود وقال فتأملنا هذا الحديث فكان أحسن ما جاء فيه من التأويل الذي يحتمله أن يكون الظهر منها هو ما يظهر من معناها والبطن منها هو ما يبطن من معناها ودل على أن على الناس طلب باطنها كما عليهم طلب ظاهرها ليقفوا على ما في كل واحد منهما مما تعبدهم الله به وما فيه من حلال ومن حرام والله نسأله التوفيق شرح مشكل الآثار للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي - تحقيق شعيب الأرناؤط - مؤسسة الرسالة - بيروت ط 1، 1994 م، 8/ 87 - 89. ورواه الطبراني في الكبير باب من روى عن ابن مسعود أنه لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن من طريق أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود برقم (10107) المعجم الكبير للطبراني تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي مكتبة ابن تيمية القاهرة 10/ 129 - 130.ورواه في الأوسط في باب الألف من اسمه أحمد برقم (773) دار الحرمين للطباعة والنشر بالقاهرة سنة 1995 1/ 236. وسئل عنه الإمام ابن تيمية فقال: هذا الحديث المذكور من الأحاديث المختلقة التي لم يروها أحد من أهل العلم ولا يوجد في شئ من كتب الحديث ولكن يروى عن الحسن البصري موقوفًا أو مرسلًا"مجموع الفتاوى 13/ 124".
وضعفه الشيخ الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان وتمييز سقيمه من صحيحه، وشاذه من محفوظه كتاب العلم برقم 2989، دار با وزير للطبع والنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية ط 1، 2002 م.