وقدمها في الذكر: لشرفها وعلو مكانها وتقدم وجودها [1] ويقول الرازي عن سبب تقديم السماوات على الأرض: السماء كالدائرة، والأرض كالمركز، وحصول الدائرة يوجب تعين المركز ولا ينعكس، فإن حصول المركز لا يوجب تعين الدائرة لإمكان أن يحيط بالمركز الواحد دوائر لا نهاية لها، فلما كانت السماء متقدمة على الأرض بهذا الاعتبار وجب تقديم ذكر السماء على الأرض بهذا الاعتبار [2] .
2 -لماذا قال الله جعل ولم يقل خلق؟
جعل الظلمات والنور أنشأهما والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمن ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية [3] ذلك [4] .ويقول الرازي في تفسيره: لفظ (جعل) يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله تعالى: چ پ پ ... پ چ (الأنعام: 1 (وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صير كقوله چ ے ? ? ? ? ? ? چ (الزخرف: 19 (والفرق بين الخلق والجعل: أن الخلق فيه معنى التقدير، وفي الجعل معنى التضمين والتصيير كإنشاء شيء من شيء،
(1) البيضاوي أبوسعيد عبد الله بن عمربن محمد الشيرازي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 2/ 390.
(2) الرازي فخر الدين: التفسير الكبير أومفاتيح الغيب 12/ 474.
(3) الثنوية: هم الذين يقولون بأصلين للوجود، مختلفين تمام الاختلاف، كل منهما له وجود مستقل في ذاته، وبدون هذين الأصلين لا يمكن فهم طبيعة الكون، الذي تتصارع فيه القوى المتضاربة، التي ينتمى بعضها إلى أحد المبدأين، وينتمى سائرها إلى المبدا الآخر، مما يعنى أن حقيقة الوجود تنطوى على انقسام داخلى وتقابل ضرورى دائم بين أصلين، لكل منهما قوانينه وأطواره الزمنية الخاصة به و يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس فإنهم قالوا: بحدوث الظلام وذكرواسبب حدوثه وهؤلاء قالوا: بتساويهما في القدم واختلافهما: في الجوهر والطبع والفعل والحيز والمكان والأجناس والابدان والارواح، الشهرستاني، أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الملل والنحل، 2/ 268، تحقيق أحمد فهمي محمد، دار الكتب العلمية -بيروت ط 2، 1992 م.
(4) البيضاوي أبوسعيد عبد الله بن عمربن محمد الشيرازي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 2/ 390.