أن هذا الأمر يُعد شركًا بخلاف غيرهم ممن سبق إسلامه، فإنه لا يجهل ذلك.
وقد أنكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هؤلاء الذين طلبوا منه أن يجعل لهم شجرة يتبركون بها كما يفعل المشركون، وكبَّرَ - صلى الله عليه وسلم - حين سمع ما لا يليق بجلال الله وعظمته تنزيهًا لله عن الشرك، وشبه مقالتهم بمقولة بني إسرائيل لموسى - عليه السلام: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] .
والجامع بين مقالتهم ومقالة بني إسرائيل: أنّ كلًا منهما طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله، فمن تبرك بالأشجار والأحجار فقد اتخذها آلهة.
ومعنى: «يعكفون» أي: يلبثون ويقيمون عندها ويعظمونها؛ والعكوف هو البقاء واللبث والإِقامة على الشيء في المكان، عبادة وتعظيمًا وتبركًا؛ وإنما عكفوا عندها لما كانوا يأملونه فيها من البركة، كما يعكف عباد القبور اليوم عندها ويجاورون؛ وتدفع الصدقات والنذور لتلك القبور.
فعبادتهم لها بالتعظيم والعكوف والتبرك، وبهذه الثلاثة: العكوف والتعظيم والتبرك عبدت الأوثان من دون الله.
أيها المسلمون:
تغير الاسم لا يغير الحقيقة، فدل على أن التبرك بالأشجار والأحجار شرك أكبر، لتسويته - صلى الله عليه وسلم - بين مقالتهم ومقالة بني إسرائيل، وحلف - صلى الله عليه وسلم - على ذلك وإن لم يُستحلف؛ مزيد تحذير، وكمال شفقة وتأكيدًا لهذا الخبر وتعظيمًا له، فإن التبرك بالأشجار والأحجار يجعلها آلهة وإن لم يسموها آلهة، فما يفعله من يعتقد فيها من التبرك بها، والعكوف عندها، والذبح لها هو الشرك الأكبر؛ وإن سمى عمله ما شاء من الأسماء فأهل هذه