وعُبِّد من دون الله، ويطلق عليه الوثن، وكل ما عُبِّد من دون الله يقال له صنم، بل كل ما يشغل عن الله يسمى صنمًا، «ولا يجاوزه» أي: لا يمر به ولا يتعداه حتى يقرب له شيئًا.
«قالوا لأحدهما: قرِّب، قال: ليس عندي شيء أقرب، [يعني للصنم] قالوا: قرِّب ولو ذبابًا، فقرب ذبابًا فخلوا سبيله فدخل النار؛ وقالوا للآخر: قرّب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله - عز وجل ـ» .
هذا محل اختبار ومحك اعتبار: الأول: احتج بالعدم «ليس عندي شيء أُقرب» يدل كلامه على أن عنده استعداد نفسي وهو وإن كان مسلمًا فإنه ليس ذو إيمان راسخ، فلما عرفوا موافقته بالذبح لغير الله واعتذر، طمعوا فيه بأيسر شيء «قالوا: قرب ولو ذبابًا» لأن قصدهم موافقتهم على ما هم عليه من الشرك «فقرب ذبابًا فخلوا سبيله، فدخل النار» بسبب قربانه الذباب للصنم، لأنه قصد غير الله بقلبه، وانقاد بعمله فوجبت له النار، ففيه بيان خطورة الشرك ولو في شيء قليل؛ وأنه يوجب النار لقوله: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ} [المائدة: 72] فإذا كان هذا فيمن قرب ذبابًا، فكيف لمن يستسمن الإِبل والغنم وغيرهما، ليتقرب بنحرها لمن كان يعبده من دون الله، وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري، والحذر من الذنوب وإن كانت صغيرة في الحسبان، كما قال أنس - رضي الله عنه: إنكم تعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات، وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداءً، وإنما فعله تخلصًا من شر أهل الصنم، وفيه أنه كان مُسلمًا ولكنه ليس ذو إيمان راسخ، وإلا لم يقل دخل النار في ذباب، وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم، حتى عند عبدة الأوثان.